كتب. عبدالله القرزعي -


العالم ذلك الكل المتغير في ظروفه ومكوناته وعلومه ومفاهيمه مر منذ خلق الإنسان بمراحل وعصور شتى ومنها العصر الزراعي ثم الصناعي ثم التكنولوجي والمعلوماتي وأخيراً حل به المطاف في حراكه الديناميكي المستمر إلى ما يسمى بعصر (المعرفة).


وقد أتى العصر الذي يعيدنا إلى أن ( سر القوة يكمن في الموارد البشرية وما تحمله العقول ) في حين مضت عصور كنا نعتقد أن الثروات الطبيعية والصناعية وغيرها هي الأهم ... !!

وقد ثبت جلياً أهمية ما يقدمه العنصر البشري في مقابل العنصر المادي في عجلة التقدم والرقي ؛ فالإنسان ذلك المخلوق الفريد سيبقى مادامت السموات والأرض محوراً أساسياً وركناً ركيناً في جميع المتغيرات على مر العصور.
ذلك أن عصر المعلوماتية يوفر المعلومة السريعة والدقيقة ولا يوفر القرار الأمثل وفق ظروف محيطة ومتطلبات مجتمع إنساني ...
عليه أدى التقدم التكنولوجي إلى تخلي كثير من الوظائف عن أصحابها خاصة تلك التي يستطيع الحاسب الآلي القيام بها ..

بيد أن الأمر اليوم أثبت أن عودتهم ستكون من الباب الأوسع حيث يطلب منهم القيام بأعمال واتخاذ قرارات لا يمكن بل يستحيل أن يقوم بها أي جهاز حاسوبي مهما تقدمت تقانته.

ومعلوم أن الرجل الآلي أو ( الإنسالة – الروبوت ) الذي يكلف ملايين الدولارات ينفذ عملاً وفق بيانات أدرجت فيه ويفتقد أبسط أبجديات التعامل مع المواقف الجديدة التي أختص بها الله عز وجل خلق وعقل الإنسان
قال تعالى(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [لقمان : 11]

بقي أن أجمل لك أخي القارئ الكريم أن عصر المعرفة :

(يتطلب أفراد توفر لهم كم هائل من المعلومات ؛ ويطلب منهم اتخاذ قرارات بشأنها وتوظيفها ضمن نتاجات مفيدة )
ولن يتأتى هذا الأمر ما لم تضطلع الدول عن طريق التعليم والتدريب المستمر والتعلم الدائم برعاية العقول بما يجعلها تتعامل بقدرات ومهارات فائقة الجودة مع تلك المعلومات وتقدير الموقف ومن ثم اتخاذ القرار الحاسم المفيد في عبادة الله على بصيرة وعمارة أرضه بالخير.

يقول عبد القادر الكاملي في مقالته (قضايا عصر المعرفة ومخاطر محتملة)
أن البلدان المتقدمة استكملت تشييد البنية التحتية لعصر المعلومات، وبدأت تستعد لدخول عصر المعرفة.
والفرق بين المعلومات والمعرفة كبير
فالمعلومات هي : حقائق معزولة نستخلصها من البيانات و يرتكز عصر المعلومات على قواعد البيانات الإلكترونية
أما المعرفة فهي : بنية منطقية متماسكة معززة بآلية لتحليل المعلومات واستخلاص النتائج منها، بحيث تساعدنا على اتخاذ القرارات بما ينسجم مع الأهداف التي نرسمها لمجتمعاتنا.
ويرتكز عصر المعرفة على نظم المعلومات الرقمية، ويتطلب بنية متينة وسريعة للاتصالات تتيح تدفق المعلومات وتكوين قواعد معرفة ضخمة، موزعة في أماكن متعددة على سطح الأرض.

يطرح عصر المعرفة قضايا عديدة شائكة تمثل تحديات كبيرة، حتى بالنسبة للبلدان المتقدمة
ففكرة العولمة التي يتمحور حولها عصر المعرفة، والتي تلعب فيها شبكة إنترنت دوراً تقنياً أساسياً، تتطلب تغيير البنى الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية.
فشعار الاقتصاد العالمي لعصر المعرفة الذي يتمثل في (اصنع سلعتك التي تشاء في المكان الذي تشاء، وبعها حيث تشاء) يتطلب توفر حرية كاملة لتنقل رؤوس الأموال والأيدي العاملة، ويتيح فرصة العمل عن بعد لشريحة واسعة من البشر.

ويتوقع أن يؤدي هذا إلى تغييرات هامة في خارطة الصناعة العالمية ومنها :
• هجرة العديد من الاستثمارات العالمية إلى الأماكن التي توفر تكلفة أقل وإنتاجية أعلى.
• سيتعرض عمال البلدان المتقدمة إلى منافسة حادة من عمال البلدان الأقل تطوراً، وقد يؤدي ذلك إلى تخفيض أجورهم، لأن شركات عصر المعرفة لن تفكر سوى في جني الأرباح.
• سيصبح أهم شرط لنجاح أي شركة هو التسلح بعمال أكثر تدريباً وكفاءة.
• وسيكون المعيار الأساسي للحصول على وظيفة هو المهارة الفكرية والتقنية، مما سيؤدي إلى تزايد أهمية التعليم والتأهيل.
• وسيزول ولاء العامل لمؤسسته، بسبب شعوره أن رب العمل سيتخلى عنه فوراً إذا عثر على عامل أكثر كفاءة منه أو أقل أجراً، وسوف يدفعه هذا للتفكير بنفسه فقط، ولن يتوانى عن ترك عمله إذا عثر على وظيفة أعلى أجراً، ولو بقليل.

يقول (ثورو) أستاذ علم الاقتصاد في معهد MIT الأمريكي :
''عندما تكون (رأسمالية البقاء للأصلح) النظام العالمي الأوحد، يصبح ولاء العاملين لمؤسساتهم من مخلفات الماضي''. وسيدفع هذا بالشركات إلى تخفيض نفقات تدريب عمالها، طالما أنها لا تعرف من منهم سيبقى، ومن سيترك العمل بعد فترة وجيزة، مما سيلحق ضرراً بالمجتمع ككل.
ونتيجة لتزايد حدة المنافسة بين الشركات وتزايد الضغط على هامش الأرباح، ستقلص الشركات الميزانية المخصصة للأبحاث طويلة الأمد، بل إن هذا قد حدث بالفعل، إذ أوقفت مختبرات شركتي IBM و Bell إنفاقها على هذا النوع من الأبحاث.
هذه التحديات الخطيرة التي يخلقها عصر المعلومات تتطلب من حكومات البلدان المتقدمة إحداث تغييرات في التشريعات والقوانين الخاصة بالأعمال والتجارة بما يساعد على تجنب سلبيات عصر المعرفة.

ويرى بعض منظري عصر المعرفة أن العولمة ستؤدي إلى :
تفكيك البلدان التي تضم تجمعات بشرية غير متجانسة عرقياً أو قومياً. لأن الفوائد اللوجستية التي توفرها الوحدة الجغرافية ستتلاشى بسبب الانفتاح العالمي وتطور نظم الاتصالات.
والحل الوحيد لتجنب ذلك يتمثل في الانتقال إلى نظام لا مركزي، يوفر صلاحيات واسعة النطاق.

وقال عالم الكيمياء الحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء أحمد زويل
في سؤال وجه إليه عن مستقبل العالم خلال الخمسين سنة القادمة فقال :
“إن السنوات والعقود الخمسة القادمة هي عصر المعرفة، ومن يملك المعرفة يملك القوة، في الاقتصاد.. في السياسة.. في الثقافة، لذلك سيكون من يحكم العالم هو الذي يملك المعرفة”.
وأردف قائلاً :
إن العلماء خلال الخمسين سنة القادمة سوف يتوصلون إلي حل الشفرة الجينية ؛ للإنسان، فالتركيبة الجينية الموجودة في كل خلية من خلايا جسم الإنسان والمعروفة بال ‘D.N.A.’ والتي توجد في الستة مليار نسمة ‘سكان الأرض’، هذه التركيبة واحدة بنسبة 99.9 % ، والفرق الوحيد بين إنسان وآخر هو في ال ’0.1 % ‘، وهذا الواحد من عشرة في المائة، هو المسئول عن استعداد الإنسان مثلا لمرض القلب أو السرطان أو السكر، أو عدم استعداده للإصابة بهذه الأمراض مثلا، هذا الجزء الجيني مهم جدا، لأنه في حالة التوصل إليه يمكن تصنيع التطعيمات ضد السرطان والسكر والقلب وخلافه، وبهذا سوف يزيد عمر الإنسان ليتجاوز المائة عام!


وعلى المستوى التربوي ذكر العلي أن غايات التربية تغيرت وأضحت اليوم تتطلب :
تعلماً لإثبات الذات و تنمية الفرد ذهنيًا وبدنياً ووجدانياً وروحانياً :

ويتجلى ذلك من خلال :
1. إضفاء الطابع الشخصي:
تسعى تربية عصر المعرفة إلى إضفاء الطابع الشخصي على عملية التعليم بأن تجعل المتعلم لا المعلم هو محور العملية التعليمية ، وكذلك عن طريق الأساليب الفنية التي تمكن من تطويع البرامج والنظم التعليمية بما يتلاءم مع المطالب الخاصة لكل متعلم .
2. تنمية ملكة الحكم على الأمور :
حيث توفر تكنولوجيا المعلومات وسائل عدة لتنمية هذه القدرات الشخصية كالنظم الخبيرة التي تختزن خبرات المحنكين بغية إرشاد المحدثين ونماذج المحاكاة التي تعمل بأسلوب السيناريوهات لاختيار صحة القرارات واستخدام العوالم الخيالية كمعمل تجارب لممارسة الخبرات واختبار مدى القدرات.
3. تنمية الشعور بالمسؤولية الفردية :
من خلال عمل الفرد على الحاسوب وإبحاره الحر غير المقيد عبر النت يولد لديه الشعور بالمسؤولية وكذلك إدراك الفرد المستخدم لنظم المعلومات أن كل إجراء يقوم به خلال تفاعله يترك وراءه أثراً من نوع ما ، يمكن لغيره أن يسترجعه ويحلله حيث يمكن للمدرس استخدام هذا الأسلوب في مراقبة طلابه ؛وسهولة اكتشاف الأخطاء وتصويبها في نظام الكمبيوتر والمعلومات يخفف الشعور بالذنب والرهبة لدى الفرد مرتكب الأخطاء مما يجعله أكثر مسؤولية ومحاسبة.

وكل ما سبق يعني أن :
• لا قيمة للمعلومة المجردة التي بات الحصول عليها أمراً في غاية السهولة ؛ فلم تعد هناك سرية في المعلومات .
• عصر المعرفة .... سيضمن السيطرة لمن يأخذ المعلومات ويوظفها في نتاجات جديدة .
• عصر المعرفة .... سيكون أثره بالغاً على جميع مناحي الحياة بدءًا بالتربية والتعليم والحالة الاجتماعية والصحية والسياسية والثقافية.... وسيحكم كثير من الأمور الجانب الاقتصادي الذي بات محوراً في جميع مكونات المجتمع الدولي.
• عصر المعرفة .... والعولمة وجهان لعملة واحدة ؛ ولن تتمكن لاحقاً الحدود الجغرافية أو السيادة السياسية من منع اجتياح تغييراته ؛ وهذا ما يلزم الدول في التسابق على الاستعداد له ... بدءاً من حوسبة التعاملات الحكومية وأنظمتها وتطوير آلية عملها وإجراءات التنفيذ والتقويم.
• المعرفة المتطورة والدقيقة هي اعلي درجات المعرفة ؛ إن جهاز الكمبيوتر سهل عملية تجميع وتخزين وتحويل الرموز إلى معلومات. ولكن جهاز الكمبيوتر لا يخلق المعرفة.
المعرفة يكونها الإنسان ويطورها بالاستفادة من الأجهزة الإلكترونية (وأيضا بواسطة الأساليب التقليدية الأخرى).
فالمعرفة الإنسانية اليوم أصبحت أهم عامل في الاقتصاد والسياسة وغيرهما. وما لم نستطع فهم المعرفة وطرق تكوينها فإننا قد نقع ضحية لبحر من المعلومات الهائجة والمتزايدة مع الأيام.

التدريب وعصر المعرفة ... أداة التغيير الأهم :

لم يعد معيار اليوم للحكم على قدرات الشخص كم يمتلك من المعلومات !
بل كيف يوظف تلك المعلومات للوصول إلى المعرفة المتكاملة المنتجة.
ومعلوم أن التدريب يركز على (المعلومة وصولاً بها إلى المهارة والتوظيف )

وقد تحدث عبدالرحمن تيشوري عن ( اهمية الموارد البشرية المدربة )
في القرن الماضي كانت معدات الإنتاج هي أهم ما تملك الشركات والمؤسسات والدول والإدارات .
لكن اليوم اختلف الأمر وتغيرت الملكية حيث أصبح القرن الحادي والعشرين عصر المعرفة وأصبحت ( الجماجم اهم من المناجم) وأصبح العنصر البشري هو الثروة الحقيقية ولذلك وجد علم الموارد البشرية وتعاظمت أهمية هذا العلم واهتمت به جميع دول العالم.

وذكر المهندس تركي بن منصور التركي :
أن (التغيير) هو الهدف الرئيس والكبير الذي تعمل عليه أي منظمة سواء كانت من القطاع العام أو الخاص، بحيث تتم مراجعة نظمها وبرامجها وتقييمها بغرض القضاء على مكامن الخلل، بحثاً عن أداء أفضل وإنتاجية أعلى.
طريق التغيير بالتأكيد أنه يمر من قنوات عدة، لعل أبرزها وأكثرها فعالية هو التدريب، لأنه وببساطة ينقل الخبرة المثالية والمطلوبة لإنجاح العمل إلى داخل المنظمة ذاتها، خصوصاً إذا كان التدريب يتم من خلال نخبة مميزة من المدربين الأكفاء.
ويحمد لكثير من مؤسسات القطاع العام و الخاص في السنوات الأخيرة اهتمامها بهذا الميدان المهم، بل أن عدداً كبيراً منها أوجد معاهد ومراكز خاصة لتدريب منسوبيه مستشعراً الأثر الكبير الذي يحدثه التدريب في ذات الموظف. إن القناعة والإيمان الكبير لدى عدد من مؤسسات القطاع العام أو الخاص بأهمية التدريب أحدثا فرقاً في سلوكيات الموظفين ، وطورا من أدائهم وأكسباهم خبرات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
إن الوصول إلى خلق مجتمع منجز مبدع، لابد وأن يمر من خلال ورش وقاعات التدريب، والمؤسسة التي تبحث عن الأداء الأنجع والأفضل لابد لها أن تمنح موظفيها فرصاً أكثر للتدريب.
وبينت الأبحاث والدراسات أن تدريب الموظفين أدى إلى زيادة أجور الموظفين بنسبة تصل ما بين ٤٪ إلى ١١٪. كما بينت الأبحاث أن الشركات حققت أرباحاً تفوق نسبة الزيادة التي حصل عليها الموظفون بأكثر من ضعفين، كما بينت دراسة أخرى أن زيادة نفقات التدريب بنسبة ١٠٪ حققت نسبة تحسن الإنتاجية بنسبة ٣٪، ويقدر حجم ما يتم صرفه على التدريب والتطوير في العالم في العام الواحد أكثر من ٨٠٠ مليار دولار سنوياً، أكثر من ١٠٠ مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها، بينما يقدر حجم الإنفاق في العالم العربي على التدريب ما يقارب ٢٥٠ مليار دولار سنوياً، وفي المملكة لوحدها ما يزيد على مليار ريال .



التعليقات : 1

بكم نرتقي

أجدت الطرح استاذنا الفاضل فقد حمل النص فكر جمجمة منجم معرفة - ماشاء الله -

اعجبني تركيز الكاتب على توظيف المعرفة وهو اللبنة الأساسة لكل إنتاج يتبعه إنجاز .
وأقتبس منها التالي :-
( ويوظفها في نتاجات جديدة )
(لم يعد معيار اليوم للحكم على قدرات الشخص كم يمتلك من المعلومات !
بل كيف يوظف تلك المعلومات للوصول إلى المعرفة المتكاملة المنتجة )
تمنيت وجود خاصية التباين في كتابة التعليق ! لأميز كلمة التوظيف :) .

بارك الله لك اخي الكاتب في فكر حملته جمجمتك .

مع شعوري أن الجمجمه استعارة مكنية تقديرها الموت !!

لكن بعد تأملي لهذا المقال ..
اصبحت الجمجمة استعارة زمانية تقديرها كنز المعرفة.

تحياتي لكم .

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.