د. يُسرية بنت علي آل جميل دكتوراه الفلسفة في الدراسات التربوية-عًمان

تشهد البشرية اليوم اقتصاداً جديداً يقوم على الابتكار في مجالات المعارف العلمية ، و التكنولوجية والأكاديمية ، والإعلامية . وهوَ يعني في جوهره الاقتصاد المتمثل في تداول المعرفة ، وما يرتبط بها من مهارات بين المُستفيدين ، بحيث يختلفُ في نمطه عن أشكال الاقتصاد الأخرى، فتتحول معه المعلومة الورقية إلى معلومة رقمية ، يسهل التعامل معها إلكترونياً باستخدام أجهزة الحاسوب ، التي تُعد عُنصراً رئيساً ترتكز عليه مُعطيات هذا الاقتصاد كبُنية تحتية يستندُ إليها كغيرهِ من نُظمِ الاقتصاد الأخرى .

أحدُ أهم هذه البُنى هُم الوسطاء ، الذينَ يقومون بالترويج للسلعة المعرفية ، عبر منافذ التعلُّم و مصادره المَعروفة من مثل : مواقع الانترنت ، و الويب و الشبكات و التطبيقات المختلفة لبرامج الكمبيوتر و ما شابه ذلك .

ولأن المعرفة اقترنت بمجالِ العِلم ، فمن الجدير بالذكر أن نطرح هذا النمط من الاقتصاد في قطاع التربية والتعليمْ ؛ لأنه القطاع المُحرِّك لعجلة التنمية في الدولة بنسبة كبيرة من خلالِ المعلمين والمعلمات، محور هذا العَمل وأساس نجاحه و ارتقائه .

بالتالي لابُد من التركيز على التخطيط الجيِّد ، والبحث عن الآلية التطويرية لأدائهم لمهامِ عملهم على النحو الذي يُمكِّنهم من مُواكبة المُستجدات الهائلة ، الحاصلة في العالم من حولهم وهُم في أثناء الخِدمة ؛ لسدِ الفجوة المعرفية التي قد يفتقرون إليها لما طرأ على العملية التعليمية من تغييرات بعدَ إلتحاقهم بالخِدمة ، وهذا لن يتحقق إلا من خلال برامج التدريب المهني .

تُعدُ البرامج التدريبية التي يُلحق بها المعلمون في أثناءِ الخِدمة ، أحدَ التوجهات التربوية العميقة ، التي تسلكُ مسارها الصحيح نحوَ الارتقاءِ بالأداء المهني للعاملينَ في الحقلِ التربوي ، على اختلافِ اختصاصاتهم .

و تتجلى أهميتها في كونها أصبحت ضرورة ماسة ؛ لمنحِ جميع المعلمين في الميدان الفُرص متساوية للاطلاعِ على المُستجداتِ التربوية المرتبطة بمناهجهم الدراسية ، إذ لا شكَ أنها تُسهم في تزويدِهم بالخِبرات الحديثة ، الناجمة عن الثورة المعرفية المُتفجِّرة في القرن الحادي و العشرين ، ( التي تمدُّنا في الدقيقةِ الواحدة كما ذكر(مصطفى : 2004م) يومياً بالملايين من المعلومات ، في جميعِ فُروع المعرفة البشرية ).

بمعنى :إن أنظمة التعليمِ الحديثة ، لم تعدْ تعتمدُ في تأهيلها للمعلمين على البرامج الدراسية التي قِّدمت لهم بكُليَّاتِ التربية في سني الدراسة الجامعية فحسب ، بل بدأت تأخذُ بمنحَى النظريات التربوية الحديثة ، التي أحدثت تغييراً جذرياً في أدوار المعلمين في المواقف التعليمية ؛ لزيادة كفاءاتهم ، في ضوءِ خُطط الإنماءِ المِهني المُتكاملة، و المُعدة لهذا الغَرض .

وعلى الرُغمِ من إن مثلِ هذه البرامجِ تعدُ الركيزة الأساسية لنواة تكوين المعلم ، في جميع الجوانب : المهنية، العلمية، الاجتماعية ، والأخلاقية، إلا إن هُناكَ بعضُ القُصورِ في بعض العناصرِ المرتبطة بالمنظومة التكاملية لخُطة التدريبْ . قد يكون هذا القصور سببه التخطيط لهذه البرامج ، أو عدمِ الوعي الفعلي لدى القائمين على أمرها بالاحتياجات اللازمة للمعلمين ، أو في مُحتوى البرنامج نفسه .

وقد حاولت الباحثة التحقق من صحة هذا الفرض ، ذلكَ ببناءِ استمارةٍ استطلاعية ؛ تعرُّف رأي الميدان ، من المعلمين و المعلمات ذوي التخصص ، حولَ برامج التدريبْ ، وأهميتها بالنسبةِ إليهم، وهي التي أكَّدت نتائجها على أهمية موضوع البحث بالدراسة ، إذ تمَّ توجيه الأسئلةِ الآتية على المعلمين :

1.هل سبقَ لك أن التحقت بإحدى برامج تدريب اللغة العربية على مُستوى المنطقة؟

2. كَم عدد البرامج التي تمَّ ترشيحكَ لها ، وَكم عدد البرامج التي حضرتها فعلياً ؟

3.ما سبب عزوفك عن حُضور البرامج التدريبية المتخصصة أحياناً ؟

4. هل ترى أن برامج التدريب تقدم لمعلم اللغة العربية الفائدة المتوقعةِ منها؟

5. ماذا تُريد من برامج التدريب على : (أ) الصعيد الشخصي (ب)الصعيد المهني (ح) الصعيد الأكاديمي ؟

وَقد أكدت جميع استجابات العينة المفحوصة على عدمِ استفادتهم من برامجِ التدريب التي قُدمت لهم و ما زالت تُقدَّم ، ولهم مُبرراتهم في ذلك ، وهي التي سيأتي تفسيرها لاحقاً .

 

مُستخلص البحث

استهدفَ هذا البحث تقييم برامج التدريب التي تُقدم لمعلمي اللغة العربية بسلطنة عُمان في أثناء الخدمة من وجهة نظر المُتدربينَ أنفسهم ، ذلك باستخدام المنهج الوصفي و المنهج التحليلي .

ولتحقيق هذا الهدف قامت الباحثة ببناءٍ عددٍ من الأدوات البحثية التي تمثلت في الآتي :

1. استمارة ؛لاستطلاع رأي عينة عشوائية من معلمي المادة حول برامج التدريب التي تقدم لهم في أثناء الخِدمة .

2. قائمة معايير ؛ لتقييم برامج التدريب في ضوءِ مجالاتها الستة وهي الآتية:

- التنظيم الإداري .

- المُدربين .

- مناهج التدريبة

- بيئة التدريب

- مواعيد التدريب

- متابعة أثر التدريب .

و بتطبيق الأداة على عينة البحث التي بلغ عددها (100) مائة معلم و معلمة من الذين التحقوا ببرامج التدريب خلال العام الدراسي2007/2008م ، و بمُقارنة الواقع في ضوء ما ينبغي أن يكون ، كشفت المتوسطات الحسابية و الإنحرافات المعيارية عن النتائج الآتية المتعلقة بمدى الإلتزام بتطبيق معايير الجودة الشاملة على مجالات التدريب في المنطقة التعليمية بمحافظة مسقط:

· المُدرب : حصل على المرتبة الأولى ، بمتوسطٍ حسابي قدره (2.43) درجة ، وإنحرافٍ معياري يُساوي (0.41) درجة .

· مناهج التدريب : حصلت على المرتبة الثانية ، بمتوسط حسابي قدره (2.40) درجة و إنحرافٍ معياري يُساوي (0.47) درجة .

· بيئة التدريب : جاءت في الترتيب الثالث ، بمتوسطٍ حسابي قَدره (2.30) درجة ، و إنحرافٍ معياري يُساوي (0.45) درجة .

· مواعيد التدريب : جاءت في الرُتبة الرابعة ، بمتوسط حسابي قدره (2.25) درجة ، وإنحراف معياري يُساوي (0.52) درجة

· التنظيم الإداري : جاء في الرُتبة الخامسة ، بمتوسطٍ حسابي قدره (2.13) ، وإنحرافٍ معياري يُساوي (0.42).

· مُتابعة أثر التدريبْ : جاءت في آخر رُتبة ، بمتوسطٍ حسابي قدره (2.10) درجة ، وإنحرافٍ معياري يُساوي (0.40) درجة.

وفي ضوءِ هذه النتائج ، قدَّم البحث تصُّوره الذي يقضي بضرورة توجه المُختصين نحوَ التوظيف الأمثل لبرامج التدريب الالكتروني في أثناء الخدمة للمعلمين ، لما أثبتته نتائج الكثير من البحوث ذات الشأن في هذا المجال ، ومُواكباً للتوجهات العالمية الحديثة في مجال التدريب .

كما قدَّم مجموعة من التوصيات المتعلقة بضرورة الإلتزام بمباديء التدريب الأساسية في أي برنامجٍ لمعلمي اللغة العربية أثناء الخدمة ، وإعادة النَظر في الاستمارات المُستخدمة حالياً و إدخال المُستجدات عليها ، على النَحو الذي يُمكِّن المُستهدفين من برامج التدريب "المعلمين " و " المُدربين " من تفعيلها إلكترونياً ، عملاً بفلسفة الدولة العامة ، وسياستها الرامية إلى الحكومة الرقمية ، والتي تبدأ من داخلِ المُؤسسات و الهيئات فيها .

 

توصيات البحث

إن العالم اليوم لم يعد يعتمد على المال و الثروات كما كان قبل ذلك ، ليحل محله عصر الاعتماد على العقول والعلوم والمعرفة واصبحت قوة الدولة ومصادرثرواتها من انتاج العقول ولهذا لم يعد عالم اليوم ينقسم بين اغنياء وفقراء بل ينقسم بين اغنياء يعلمون وفقراء لا يعلمون وصبحت الميزة التنافسية من صنع عقل الانسان وليست هبة الطبيعة

ينبغي أن نُؤمن تماماً بأن التدريب أصبح من المسلمات التي لا غِنى للمؤسسات عنها ، والتي أجمع رجال التربية و التعليم على أهميتها للحقل التربوي ، فهي لا تعود بالفائدة على المُتدرب المُستهدف فقط ، بل تشمل جميع عناصر المُؤسسة و مجالاتها المختلفة . لاسيما وإنه أثبتَ خلال العقود الماضية تحقيقه لمردودٍ إيجابي مُتعلق بتنمية الكوادر البشرية و الارتقاء بمستوى أدائها على اختلافِ أنماطه .

وتنطلق أهمية التدريب من درجة الأهمية التي تُوليها الجهات – ذوي الاختصاص- لمجالاته و عناصره ، لكونه يُعتبر – سيما – في أثناء الخدمة تلبية لحاجة العمل الحقيقيه ، وتطبيقاً عملياً لما يتلقاه المتدرب من حقائق تربوية .

و تُخطط السلطنة في سياستها التعليمية بشكلٍ واضح على أن يكون جُزء من التعليم استثمار القوى البشرية المُنتسبة إلى قطاعه ؛ لتؤدي دورها في مختلف مجالات التنمية في الدَولة بكل اقتدار،وَ خاضعة لمعايير الجودة الشاملة .

أمَّا التدريب الالكتروني فهوَ اللُغة الحديثة المُتداولة بينَ مراكز التدريب ، التي تأخذ اتجاهاً عالمياً مُعاصراً في هذا الجانب ؛ ولعلهم غير مُخطئون في ذلك ، فجميع المُنظمات و الهيئات و المُؤسسات في الوقتِ الراهن تُنادي بجعل العَمل وآليات سيره رقمية ؛ لما في ذلك من تسهيل لتسيير آلية العَمل في المُنشأة الحكومية ، و تجنب لهدرِ الوقت ، و إدارته بأسلوبٍ عَمليٍ و دقيق .

و السَلطنة لديها من الاستعداد المادي و البشري و العَملي ما يُؤهلها لتطبيقِ هذا النمط من أنماط التدريب الحديث دُون أية صعوبات أو معوقات تُحد من ذلك ، فلماذا لا يكون التدريب إلكترونياً ، بعر شبكات الانترنت ، و المُستهدفين في مواقعِ عملهم ، و المُدرب مُرتبط معهم بشكلٍ مُباشر عبر شبكة تلفاز مفتوحة ؟

أمَّا اللغة العربية ، فالحديثُ عن ضرورة الارتقاء بمستوى معلميها لا يقل إطلاقاً عن معلمي العُلوم التطبيقية ، فهي أساسُ كُل العلوم ، وامتلاكها و إتقان مهاراتها وأصولِ تدريسها على الوجه الأمثل ، و المُواكب للمستجدات التربوية التي تطرأ بشكلٍ يومي في حقلها أصبحَ حاجةً ماسة و مُهمة جداً ، خاصةً وأن التربية و التعليم في السَلطنة تُولي هذه المادة قدراً كبيراً من الإهتمام الذي يخصُّ فنونها الأربع ، ومهاراتها المُرتبطة بكلِ فن .

وعليه ، فإن هذا البحث يُوصي بضرورة إدخال نمط التدريب الالكتروني لبرامج التدريب التي تستهدف معلمي اللغة العربية في أثناء الخِدمة ، على أن يُعاد النَظر في محتوى تلكَ البرامج و مادتها التدريبية المعروضة و آليات التدريب و أساليب التنفيذ و التقويم بما يتلاءم وهذا التوجُّه ، من خلال تخصيص أصحاب الخِبرة و الاختصاص في مجال إعداد برامج التدريب الالكترونية و ما شابهها .

كما يُوصي البحث بإجراء المزيد من البحوث التحليلية للمواد الدراسية الأخرى ؛ و استقصاء آراء المُستهدفين بالتدريب فيها حولَ واقعها الحالي المُستخدم في خُطة الإنماء المُنفذة حالياً ، وحولَ تطلعاتهم المُستقبلية لتطوير هذه البرامج و تجديدها.


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.