عبدالله القرزعي معلم واطفاله

كنت قد درست أطفال الصف الأول الابتدائي وتمحورت خبرتي المتواضعة في التعامل مع أطفال هذا الصف بشكل كبير ؛ ولي معهم مواقف كثيرة معبرة ؛ في خلاصتها يمكن لي أن أذكر ما يأتي  :

1. يبدأ الطفل (6سنوات بداية الطفولة الوسطى) عامه الدراسي الأول بمخاوف كثيرة حتى ولو كان له سابق خبرة في رياض الأطفال ؛ لأن بيئة الروضة تختلف تماماً عن بيئة المدرسة … هناك معلمة وهنا معلم ؛ كما أن هناك الأطفال من الجنسين وعدد قليل وفي المدرسة جنس واحد وعدد أكبر …. مهارة المعلم والمرب تكمن في تذويب تلك الفروقات لتهيئة بيئة قابلة لتكيف الطفل وشعوره بالأمن قبل التعلم.

2. تدريس الصف الأول الابتدائي غرس .. تَجُود وتطيب ثماره وتينع خيرا في عام دراسي ؛ وفارق كبير بين خبرات الطفل في أول العام وأخره وهذا أحد أهم أسرار من يستمتعون في تدريس هذا الصف.

3. في تدريس أطفال هذا الصف مكتسبات إنسانية .. فالمعلم يفتتح يومه كل صباح بوجوه غاية في البراءة والوداعة والنقاء والصفاء … وتلك فرصة لمعلم ومرب الصف أن يغسل يومياً همومه مع نقاء تلك الأرواح الطاهرة.

4. معلم الصف الأول الابتدائي يراقب ببساطة جداً (كيف يحدث التعلم ؟) ولذلك تجده يطور أساليبه على نحو مختلف ويختبر الفروض كعالم يبحث في مختبر ..  وهذا سر ثقة معلم الصف الأول عندما يقول بثقة بداية كل عام (مالكم إلا ولد يقرأ ؟!) .. وفي الجانب السلبي قد يتمسك ببعض الممارسات التي تؤتي نتائج تعليمية جيده بيد أن لها أبعاد تربوية ضارة كتكثيف الكتابة منذ بداية العام ..

5. معلم الصف الأول الابتدائي يحظى بإعجاب زملائه وتعجبهم من تمكنه من ترويض سلوك الأطفال وقدرته على تعليمهم واكسابهم المهارات ؛ وقد يتعرض لأساليب فضة في ابداء الاعجاب وقد ينقلب إلى تهكم ممن  لا يعون معنى التربية والتعليم ويفكرون بسذاجة  ؟! ويبقى ما يقوم به معلم ومرب الصف الأول أمر يدعوا للفخر والتقدير ..

6. يكتسب معلم الصف الأول مهارات التعامل مع الأطفال وينعكس ذلك على تربيته لأولاده وتوفير بدايات قوية لمشوارهم الدراسي .

7. معلم الصف الأول الابتدائي أكثر المعلمين عرضة لتقويم عمله من قبل الجميع مدير ؛ معلم الصف التالي ؛ ولي أمر…. فنتاجه يتضح وغراسه إن حسن حسنت سيرته ؛ وإن ضعف شهد عليه شهداء الله في الأرض ؟؟!! وهذا عامل رقابي مهم بعد رقابة الله عز وجل ثم الضمير …

8. معلم الصف الأول الابتدائي أكثر الناس فخراً بأجيال رباهم وعلمهم لأنهم لا ينسون فضله إن تفضل ؛ وفي المقابل لا ينسون إساءته إن خان أمانته …

ما سبق ينطبق على المعلم والمعلمة على حد سواء …..

دعاني لكتابة تلك المقالة هو تذكري للموقف الآتي :

بعد أن عملت مشرفاً للصفوف الأولية شاركت في لجنة وزارية لزيارة مدارس منطقة الطائف عروس المصائف زيارة رسمية وذلك في عام 1419-1420هـ ….

في فجر أحد الأيام ساقتني أقدار وخيرات ربي  إلى مدرسة في قرية جنوب الطائف

المدرسة في مبنى شعبي متواضع ومديرها رجل طيب وشهم

طلبت زيارة معلم الصف الأول فبادر بالحديث عنه . فأوقفته وقلت : دعني أزوره ونتشارك في طرح الرؤية حول عمله بعد الزيارة … فقد كنت معلماً للصف الأول الابتدائي خلال السنوات القريبة الماضية …

اقتنع بوجهة نظري وتبعني للصف.  فطلبت منه : أن يسبقني للصف ويخبر المعلم بزيارتي له ؛ وبأني أفضل بقائي لوحدي في الصف مع الطلاب والمعلم أثناء الزيارة للتقليل من المثيرات غير المعتادة ولنحافظ على تركيز المعلم والأطفال …

اندهش المدير وكأنه (غضب مني قليلاً) ؟؟!! لا بأس

أخبر المدير المعلم وأنا أقف بعيداً عن الصف وأشار لي بالقدوم..

قدمت ودخلت الصف وسلمت على المعلم وعرفته بنفسي ؛ ثم سلمت على الأطفال واحداً تلو الأخر بالمصافحة والسؤال عن اسمه وكان عددهم قرابة 15 طالباً …

استأذنت المعلم وافتتحت الزيارة بإنشادي نشيد مشترك مع الأطفال …(يا إلهي أنت ربي ) …. كسراً للجمود

ثم أخبرتهم أني جئت من مكان بعيييييد جداً للسلام عليهم ومشاهدة ماتعلموه …. اتفقنا

المعلم كان شاباً يافعاً يشع وجهه بشراً وضياء وكان ملبسه نظيفاً وأنيقاً ومنظماً ..

الصف رغم صغر مساحة الغرفة إلا أن روح المعلم قد انعكست على البيئة الصفية … طاولات الطلاب نظيفة وكتبهم وحقائبهم … ورائحة الصف زكية …. المعطيات الأولى مبشرة وتوقعت ماهو أفضل عند بدء الدرس …

اتفقت مع المعلم ألا أتدخل في مجريات الدرس ولم أدخل معي ورقه أو سجل ولن أدون شيء بل سأشارك بالحضور فقط …

كان الدرس الأول من اليوم الدراسي …

افتتح المعلم الدرس بالسؤال عن الدرس السابق ثم أخبر الأطفال عن الدرس الجديد بقصة …

كان تمهيداً جيداً وبداية موفقه وشعرت بثقة المعلم رغم خدمته لست سنوات فقط …

وما أن بدأ المعلم يكتب على السبورة إلا وإذا ( بأنين ) أحد الأطفال في الصف !!

التفت المعلم … واتجه نظره مباشرة لطفل على يمين الصف …

واتجه إليه مباشرة وإذا بالطفل يتألم وقد مسك خاصرته وأنزل رأسه على الطاولة …

جلس المعلم ومسك رأس الطفل واضعاً يديه على خدي الطفل  وسأله: ( إشبك فهد حبيبي ) ؟؟

بكى الطفل وقال : بطني  تعورني …

شعرت بوجه المعلم قد تغير وبانت علامات تألم الطفل على وجه المعلم ..

بدأ المعلم كلامه مع الطفل حبيبي قل : بسم الله ؛ الحمد لله ؛ يارب تشفيني …

ومع بكاء الطفل ؟!! انهمرت دموع المعلم واحتضن الطفل وهو يسمي عليه !

وقال : تعال حبيبي ومسك يده واتجه به خارج الصف وهو يقول لي : على أذنك يا أستاذ … الطالب فهد عنده مشاكل في الكلى !!

ذهب المعلم بالطفل لمكتب مدير المدرسة القريب …

شعرت بالمعلم تأخر  لخمس دقائق تقريباً ..

كنت خلالها رغم تأثري بالموقف استثمرت الوقت وأكملت جزءاً من الدرس لأحافظ على تركيز الأطفال وعدم تأثرهم …

عاد المعلم للصف … واتضح لي أنه غسل وجهه وقد أحمرت عيناه من البكاء !!!

بدأ الشرح وما أن استمر حتى قال له أحد الأطفال : أستاذ يارب يطيب فهد !!

لم يستطع المعلم من قول كلمة (يارب) كاملة وانهمرت عيناه بالدموع ….

حاول المعلم أن يحافظ على رباطة جأشه … وكان بحق قوياً واستمر في الشرح ..

كنت أرقبه وقد استمرت دموعه بالنزول وهو يمسحها كل حين ويكمل الدرس …

بحق كان الموقف مؤثراً ؛ ولكني أردت أن أقف على تصرف المعلم مع موقف قد يحدث له مراراً …

واصل المعلم الدرس كاملاً وعيناه باكيتان حتى وهو يصوب التمارين للأطفال كانت دموعه مستمرة ..

حتى أن أحد الأطفال مسح بيده دمعة من على خد المعلم  وهو منحني ليصوب له .. وكانت ردة فعل المعلم أن قبل يد الطفل ورأسه وشكره…

وقفت على مستوى الطلاب وإذا به أكثر من رائع…

انتهى الدرس وشكرت المعلم بحرارة كحرارة حنوه وعطفه ورحمته وجودة عطاءه  …

لفت انتباهي أن أكثر من طفل قبل التفسح سلم على المعلم ويطلبون منه تقبيل رأسه ويده!!

(غرس عطاءاً ؛ فحصد حباً ووفاءً ) ..

اتجهت للإدارة لم أتمالك نفسي فبكيت في طريقي للإدارة ودخلت على المدير وقلت ( معلمكم مرب وإنسان في آن واحد) هنيئاً لكم به وللتربية والتعليم به …

كتبت في تقريري أنني شاهدت مالم أشاهده من قبل ( معلم بقلب أم ؛ مرب وإنسان قبل كل شيء) …

مازال الموقف في ذاكرتي بوضوح ….

وكلما تذكرته ينتابني شعور غريب … ومعه أدعو الله بأن يقيض لهذه الأمة أمر رشد  بكثرة المعلمين والمعلمات بشعور ومشاعر هذا المعلم والمرب النبيل والإنسان بإنسانية مبهرة ..


التعليقات : 10

بكم نرتقي

مقال .. قيم .. رائع .. مؤثر .. مفيد ..
حمل جمله من المبادئ والقيم والاخلاق ..
حمل جملة من الاساليب التربوية ..
اقصوصة واقعية تلامس المشاعر وتدعو كل مربي ان يوقض قلبه وفكره .

بوركت كلماتك ومواقفك التي تشاركنا بها .

جزاك الله خيرا ..

Khalid Alghumiz

حديث عن الصف الأول الذي تشرفت أيضاً بتدريسه في سنة من السنوات , و عرفت فيه احتياج هذا الصف إلى قدرة خارقة للتربية و التعليم , و قد صدقت أستاذي الفاضل عبد الله بأن " معلم الصف الأول الابتدائي يراقب ببساطة جداً (كيف يحدث التعلم ؟) ولذلك تجده يطور أساليبه على نحو مختلف ويختبر الفروض كعالم يبحث في مختبر " , هذا صحيح إلى جانب الدور الأهم و هو التربية , و ما قصة الأستاذ الذي زرته في الطائف إلا نموذج نتمناه جميعاً , بورك فيك أستاذي و لا حرمنا فيض تجاربك و الكشف عن معادن خبراتك .

خالد بن محمد الغميز
ولفرهامبتون , بريطانيا

عبدالله بن علي بن عبدالله القرزعي

الأفاضل بكم نرتقي و الأستاذ خالد
مروركم شرفني وكلماتكم هي بحق حافزة وداعمة للكشف عن الجانب الإيجابي لمعلمينا ومعلماتنا وفقهم الله وسدد على دروب الخير خطاهم ....
شكراً لكم من الأعماق

-

تعجز كلماتي ان تصف ، رائع بكل ما تعنيه الكلمه اجدت الوصف والسرد ، نقلت لنا اهميه المعلم وعيشتنا ما عشته .
احب ان اقف وقفه احترام لهذا المعلم الذي استشعر واجبه ومسئوليته بارك الله له( نعم فا مثل هذا فلنقتدى )
ما اجمل الرحمه وما اجمل ان نتعامل به قال الرسول صلى الل ليه وسلم ( إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى تَدَاعَى بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )

غير معرف

راااااائع جدًا شكرًا على هذه القصة المؤثرة حقيقة ..
وييييين معلمينا ومعلمانتا عن هذا المعلم والمربي ..
بس ممكن سؤال .. وش صار على الطفل فهد ووين المعلم ذالحين

غير معرف

رائع جداً و مؤثر بل انه درس يدرس أحسنت أ. عبدالله
قليل ما نرى في هذه الأيام من هم في مثل هذه الرحمة فالآن الأطفال يقتلون في سوريا ببشاعة ونرى من يفتقدون هذه الرحمة وكأن الأمر لا يعنيهم ما نقول الا حسبنا الله ونعم الوكيل.

Muzamil A.rahman

أن يبكي المعلم طوال زمن الدرس لأن فهد أو فلان طبنه تعوره إنما يدل على عدم نضج المعلم العاطفي على عكس وجهة نظر الكاتب والمعلقين ..
طبعاً نحن شعب عاطفي ولكن حسب رؤيتي للموضوع أن المعلم غير ناضج عاطفياً لإسرافه في البكاء لمجرد أن أحد التلاميذ إشتكي من المرض .. غاليا هو ليس لديه أبناء لأن الأب بحكم تجربته يتعلم أن لا يجزع أو يظهر أي عاطفة حين يشتكي أحد الأبناء من مرض ما .. أولا حين يجزع الكبار يتأثر الأطفال ويترسخ في أذهانهم أن المرض كارثة وسيتأثرون سلباً.. ولكن عندما نأخذ الأمر ببساطة بدون أن نتأثر يساعدهم ذلك في معرفة تجارب الحياة وضغوطها وتحملها بكل بساطة ..

غير معرف

ماذا قدمت الوزاره وانت يامشرف الوزاره لهذا المعلم وامثاله

البوابة الإسلامية – بوابتك إلى الجنة

جزاكم الله خيرا

د. فتحية الزهراني

انتشرت هذه القصة عبر الواتس اب العام الماضي واعتقدت أنها قصة أدبية محبكة الصنع ، و الآن أجدها من إحدى تجاربك أستاذ عبد الله و التي أثق بمصداقيتها لثقتي بمصدرها . لا أظن أن طلاب ذلك المربي سينسونه أو ينسون ما تعلموه على يده أبداً .

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.