جريدة الرياض . إبراهيم البليهيعقل وتعلم

 

إن القراءة أو الدراسة الاضطرارية التي ينتظم بها الدارسون من غير اندفاع ذاتي تلقائي أو حتى من دون رغبة ذاتية تلقائية ولو لم تصل إلى درجة الاندفاع التلقائي الذي هو شرط التعايش مع المعرفة والامتزاج فيها ليست طريقة صحيحة للتعلم، ولا تصح معياراً لانتشار المعرفة ولا هي وسيلة سليمة لقياس توطين الروح العلمية فالإنسان كائن تلقائي ولا يمكن إرغام عقله وعواطفه وميوله ورغباته وقابلياته حتى الفرد نفسه لا يستطيع ان يرغم ذاته بأن تحب ما تكره، أو تستسيغ مالا ترغب فيه أو تستجيب إيجابياً لما تنفر منه.

يعرف الجميع أنه بعد تعميم التعليم أصبح كل فرد من غير شعور ذاتي بأهمية المواد التي يدرسها يقضي ربع قرن منخرطاً في التعليم النظامي، ورغم طول المدة وإرهاقاتها الشديدة وإكراهاتها المتنوعة وتكاليفها الباهظة فإن تأثيرها مرتهن ببرمجة الطفولة التلقائية السابقة لها فالسنوات الثانية والثالثة والرابعة ثم الخامسة والسادسة من عمر الطفل هي فترة التأسيس المهمة لبناء ذاته وتشكيل عقله وصياغة عواطفه وتحديد اتجاهه وشق مسار تفكيره وبرمجته بدوافع سلوكه أما بعد ان يكبر فإن عقله وعواطفه وقابلياته لا تتقبل إلاّ ما جاء امتداداً للتأسيس المكتمل والحاسم الذي تكوّن في الطفولة المبكرة.
إن هوية أي فرد في أي مجتمع سواء أكان المجتمع متقدماً أم كان متخلفاً ليست من اختياره فضلاً عن أن تكون اختياراً عقلانياً قائماً على التفكر الحر والتدبر الفاحص والبحث المستقصي، والتمحيص الدقيق وإنما هي تشرُّب تلقائي وفي الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» .
إن طبيعة الإنسان التلقائية تستوجب أنه عندما يجري تقييم مخرجات التعليم فإنه يجب ان يكون معيار نجاحه أو فشله هو: ما هي الاهتمامات والرغبات والميول والقيم الايجابية التي كوّنها في نفوس الدارسين، وليس ماذا اضطروا إلى حفظه من معلومات وهل استطاع التعليم ان يحافظ على الولع الفطري التلقائي بالمعرفة لديهم، وهل انتهوا من الدراسة بتعميق هذا الولع فارتبطت حياتهم بالكتاب واشتد اهتمامهم بالتحقق ونمت لديهم التساؤلات واحتدم اندفاعهم إلى الاكتشاف وتصاعدت لهفتهم إلى تنويع المعارف وصارت القراءة متعة رئيسية في حياتهم أم حصل العكس حين ينتهون من الدراسة بانطفاء الولع وكره الكتاب والعزوف عن أي شيء يذكرهم بالمدرسة التي كانت تخنق تلقائيتهم، وبالدراسة التي كانت ثقيلة على نفوسهم فخمدت الأذهان وانطفأ حب الاستطلاع وتلاشت التساؤلات وماتت الدهشة وحل محلها التبلد العنيد والتآلف البليد والاعتياد المخدر وبهذا تنغلق قابليات الفرد وينتقل من تلقائية الدهشة الفطرية المفتوحة المتلهفة إلى تلقائية البرمجة المكتملة والمكتفية والمغلقة فيبقى الفرد مغتبطاً بما تبرمج به فيفتخر بالانتماء لهذا التبرمج ويظل يشعر بالامتياز المطلق للبيئة التي برمجته وللثقافة التي صاغته أياً كانت هذه الثقافة، وأياً كان حظها من الانفتاح أو الانغلاق، وأياً كان مستواها في مسيرة التقدم الثقافي والحضاري.
إن الإنسان كائن تلقائي فحين يكون الحديث عن التعليم ونجاعته أو عن المعرفة الممحّصة وتحصيلها أو عن العمل وإتقانه، أو عن المهارات واكتسابها أو عن الإنتاج وغزارته أو عن المعلومات وتأثيرها أو عن الإبداع ومقوماته، أو عن الانضباط والانفلات أو عن الضمير وفاعليته، أو عن الأخلاق وتجلياتها أو عن تخلف المجتمعات وتقدمها، أو عن تدهور الحضارة وازدهارها فيجب أن نستحضر دائماً حقيقة ان الإنسان كائن تلقائي إنه مقودٌ بميوله واحتياجاته ورغباته الذاتية وبما انغرس تلقائياً في ذاته في الطفولة من ميول واهتمامات ورغبات وقيم وطريقة تفكير فمن هنا تأتي الفروق الهائلة بين الشعوب.
إن حظ الأمم من القابليات الفطرية هو حظ متماثل أو متقارب ولكن الثقافات التي يتبرمج بها الناس من مختلف الأمم هي التي تفرقهم وتمايز بينهم أما كيف تمايزت الثقافات نفسها كل هذا التمايز، ولماذا هناك ثقافات منفتحة ونامية ومتجددة وقابلة للتطور بينما ان هناك ثقافات أخرى منغلقة ومتحجّرة فهذا يعود إلى اختلاف الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والدينية وليس إلى اختلافات بيولوجية أو تمايزات عرقية فاختلاف الظروف هو الذي أدى إلى اختلاف الثقافات كل هذا الاختلاف وإلى تمايز الأمم كل هذا التمايز، وبذلك يجب الاستبعاد التام لخرافات التفاضل العرقي أو التوريث البيولوجي فالفرق محصور بالتمايز الثقافي وليس بوجود أي تمايز عرقي أو بيولوجي فتلقائية الإنسان قد هيأته لكي يحتله، ويبرمجه الأسبق إليه وهو حين يتبرمج بهذا الأسبق فإنه يصير جزءاً منه ومنتمياً إليه ومتفرعاً عنه ومرتبطاً به فهو لا ينظر إلى الأمور إلاّ من خلال هذه البرمجة التلقائية المستحكمة وتستمر معه نفس الرؤية التي تستبقيه مرتهناً بها أما الخروج من هذه التلقائية المهيمنة فلا يحصل إلاّ نادراً ولا يتحقق إلاّ بمؤثر طارئ قوي جارف أما الرواد المقتحمون الخارقون فهم أفراد استثنائيون، إنهم يحلّقون خارج السرب أما كيف يحصل لهم الإفلات من قبضة التلقائية العامة القوية المهيمنة وكيف تتحقق لهم مقومات الريادة فهذه لها بحث آخر.
إن من أوضح وقائع الحياة الإنسانية ان أهم مرحلة في حياة الإنسان هي المرحلة المبكرة من طفولته فالأطفال كما هو معلوم لا يتعلمون قصداً لغة أهلهم وطريقة تفكيرهم وأسلوب حياتهم، ولا يتشربون بتخطيط وجهد القيم السائدة في مجتمعاتهم إن هذه الإنجازات المدهشة التي تتحقق للأطفال تلقائياً تستحق بحثاً عميقاً ومستغرقاً لاستخلاص النتائج العجيبة لهذه التلقائية، وكيف تنفتح وتتشرب تلقائياً أعقد المعارف كاللغة وكيف تنغلق وتتوهم الامتلاء والاكتفاء فتكتسب الرفض التلقائي لأي جديد يتعارض مع البرمجة التلقائية فتعلُّم الأطفال، كما هو معلوم، لا يحصل بواسطة الجهد المقصود أو البحث المنظم أو التحقق الفاحص وإنما تتشرب نفوسهم اللغة تلقائياً وكذلك تتشكل بالقوالب الثقافية السائدة في البيئة فتتشرب المعتقدات والتصورات والعادات والمفاهيم والمسلّمات وطريقة التفكير.
وإن هذا يحصل في الطفولة بشكل تلقائي من غير ان يكون الأفراد واعين هم ولا أهلهم لهذا التشرب التلقائي، إنها سلسلة من التناسل الثقافي التلقائي يستوي في ذلك الأمريكي أو الهندي أو التنزاني أو الياباني أو أي فرد ينتمي لأية ثقافة فالفرد يتبرمج تلقائياً بالقوالب الثقافية التي تستقبله وتصوغه مهما كان مستوى الثقافة أو حظ المجتمع من التقدم.
إن التلقائية هي المفتاح الأساسي للتفكير الإنساني وللسلوك البشري، وهي المنفذ الوحيد إلى قابليات الإنسان وهي الوسيلة الأساسية إلى تطوير قدراته أو تعطيلها وهي الآلية العجيبة التي مازالت بعيدة عن الإدراك العام لكنها الآلية الناجعة التي يمكن بها تطوير المجتمع أو تجميده ودفْعه بها إلى الأمام أو دفْعه إلى الخلف، إنها المعضلة الإنسانية الكبرى المستعصية ولكن الحل لن يأتي أيضاً إلاّ منها: بفهمها واستثمارها والتعامل مع الإنسان في كل شؤونه بما تقتضيه طبيعتها فهي الإشكالية الكبرى وهي الحل العجيب الناجع فالإنسان تلقائي في تشرُّب الثقافة المتقدمة كما أنه تلقائي في التشرب والتشكل بالثقافة المتخلفة والأهم من ذلك ان طبيعته التلقائية تجعله محكوماً بها فهو لا يستطيع بواسطة الارادة ان يجعل ذاته تحب ما تكره ولا أن تتقبل ما تنفر منه بل تنحصر مهمة الارادة الواعية بأن تسوس هذه التلقائية وأن تستثمرها وأن تحتال عليها حتى تعدل ميولها وتغير رغباتها بما يتفق مع الحق ويتجه نحو الكمال المعرفي والأخلاقي.
إن الإنسان لا يكون هو ذاته فتنفتح قابلياته وتتدفق طاقاته ويتمكن من الاستيعاب بسهولة ويستطيع الإنجاز بمقدرة وكفاية إلاّ إذا كان مندفعاً تلقائياً استجابة لميوله وبحثاً عن احتياجاته وانغماراً فيما يهتم به، واستغراقاً فيما يجد لذته فيه فالفرد إذا اشتد ولعه بشيء فإنه يستطيع برمجة ذاته حتى الامتلاء والاكتظاظ والفيضان التلقائي فيصير المحتوى الذي تم شحنه به بقصد واع ٍوجهدٍ منظم عتاداً جاهزاً وذخيرة حية تنطلق وقت الطلب وتنساب أو تتدفق تلقائياً عند الحاجة إليها.
إن الإنسان يولد بهوية إنسانية مفتوحة مطلقة قابلة لأية قولبة ولأي تشكيل إنها مجرد قابليات خالية فتتشكل تلقائياً بما تتشربه من الثقافة السائدة وبهذا التشكل التلقائي في الطفولة ينتقل الفرد من الهوية الإنسانية العامة المفتوحة إلى هوية خاصة محصورة محددة مغلقة فالهوية ليست اختياراً عقلانياً بل هي أبعد ما تكون عن الاختيار الحر فهي تبرمُج تلقائي محض لأنها تتكون قبل حصول الوعي فالوعي ذاته يتكوّن بهذا التبرمج التلقائي فيصبح وعياً مشروطاً وليس وعياً مطلقاً
إن هوية أي فرد في أي مجتمع سواء أكان المجتمع متقدماً أم كان متخلفاً ليست من اختياره فضلاً عن أن تكون اختياراً عقلانياً قائماً على التفكر الحر والتدبر الفاحص والبحث المستقصي، والتمحيص الدقيق وإنما هي تشرُّب تلقائي وفي الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» .
ان قابليات المولود تتشرب الثقافة السائدة كما يتشرب الاسفنج الماء وبهذا التشرب التلقائي يتقولب الفرد بعادات فكرية وعاطفية وسلوكية وبذلك يخرج من نطاق الاحتمالات المتنوعة المفتوحة إلى نطاق الثبات العنيد والتحديد المغلق فيفقد الانفتاح الفطري وتصادَر القابليات الفارغة ويتحدد مساره ومصيره فالفرد صياغة اجتماعية محضة وبهذا يكون صراع الهويات صراعاً غير عقلاني فاليهودي أو البوذي أو الهندوسي أو السيخي أو الوثني لم يصبح بهذه الهوية اختياراً، ولم يعتنق معتقداته عن طريق البحث الشخصي والتمحيص الذاتي والتحقق الموضوعي وإنما وجد نفسه مبرمجاً بهذه الهوية ومشحوناً بهذه المعتقدات ومفعماً بالغبطة والافتخار بها ومتحفزاً ومستعداً بأن يموت دفاعاً عنها واستبسالاً في الدعوة إليها.
وما يهمني هو تأكيد ان طبيعة الإنسان التلقائية تجعله لا يتعلم تعلماً حقيقياً إلاّ في المجالات التي تثير اهتمامه تلقائياً وتستجيب لرغبته المتجددة وتتفق مع ميوله العميقة ويندفع إليها اندفاعاً ذاتياً تلقائياً أما الدراسة الاضطرارية التي يذهب إليها الدارس مكرهاً من أهله أو يُلزمه بها النظام كما هو في المجتمعات التي تجعل التعليم العام إلزامياً، أو الدارس الذي يواصل التعليم مضطراً ليس غن رغبة ذاتية في المعرفة الممحّصة ولكنه يكابد الدراسة اضطراراً من أجل الشهادة أو الوجاهة أو لقمة العيش أو حسب ما تقتضيه الأعراف والمواضعات الاجتماعية وبهذه النفسية الإكراهية لا يتلذذ بالمادة المدروسة وليست لديه الرغبة في الاستزادة منها إلاّ من أجل الأهداف الأخرى فالمعرفة المنظمة ذاتها ليست هدفاً للدارس غني في الاستزادة منها إلاّ من أجل الأهداف الأخرى فالمعرفة المنظمة ذاتها ليست هدفاً للدارس غير المندفع تلقائياً وإنما هي مجرد وسيلة لأهداف مختلفة لا علاقة لها بالمعرفة ولا بالتحقق ولا بولع الكشف فلو غابت هذه الغايات الدافعة لما ذهب إلى المدرسة، ولما التزم بمواصلتها وتحمل مشاقها ومعاناة الإكراهات المتكررة فيها وبهذه الصفة الاكراهية المنفرة العقيمة فإن المعرفة التي تجّرعها غصباً وكرهاً واضطراراً تبقى خارج بنيته النفسية فلا تمتزج في الذات ولا تتحول إلى عتاد ذاتي تلقائي.
إن الإنسان الأوروبي أو الأمريكي أو الاسترالي أو الياباني الذي يشغل معظم فراغه في القراءة ويستمتع بها ولا يستطيع الصبر عنها وتبلغ المتعة أحياناً درجة النشوة، ولا يتصور الحياة من دونها، لم يصل إلى هذه العادة الحضارية الراقية ولا إلى هذا الاندفاع التلقائي إليها عن طريق التفكير الفردي المستقل، ولا بواسطة البحث الشخصي ولا الدراسة الذاتية وإنما عاشها شوقاً عميقاً ولهفة متجددة منذ طفولته، وتشبع بها تلقائياً وتشربها تشرُّباً تاماً كأسلوب حياة جميل وممارسة لذيذة والتصاق ممتع فامتزجت في كيانه وخالطت وجدانه، ونمت مع نمو جسده وعقله وعواطفه وتشبعت منها كل خلية من خلاياه فزخرت بها ذاته وتأهبت بها عواطفه وامتلأ بها وقته إنه كان منذ ولادته يرى أبويه وأهله يقرأون بشغف شديد ولذة ظاهرة واهتمام قوي مستغرق ومداومة منتظمة، ويرى كل من حوله وكل الناس في مجتمعه لا يتحركون إلاّ والكتب في أيديهم أو في حقائبهم أو في جيوبهم فالكتاب هو الأكثر حضوراً في حياتهم وهو الأشد أهمية من بين اهتماماتهم فهو الرفيق الدائم الذي يؤنس ويفيد ولا َيمل ولا ُيمل.
إننا حين نتحدث عن الكتاب وأهميته وعن الولع التلقائي بالمعرفة الممحّصة، وعن التعلق الشديد بالقراءة والانتظام عليها فإننا بهذا نتحدث عن الشيء الأرقى والأنفع والأعظم والأمتع في حياة الإنسان. إننا نتحدث عن الفلسفة والفكر والعلم والأدب والحضارة بتركيباتها المعقدة وتطورها العجيب وابداعاتها المذهلة وعن كل ما أنتجه العقل الخلاق فلم يتقدم العلم ولا الفكر ولا الأدب ولا الثقافة ولا الحضارة إلاّ بواسطة المعرفة الممحّصة المدونة إن هذه المعرفة الدقيقة لا يستطيع تحقيقها ولا إنتاجها إلا من يبحثون ويقرأون اندفاعاً وليس اضطراراً أما الذين لا يقرأون إلاّ إذا كانوا مضطرين في التعليم النظامي أو ما يماثله مما يأتي تكليفاً وليس اندفاعاً تلقائياً فلا يمكن ان يبدعوا أي شيء يمكن اعتباره إسهاماً في الكشف أو الإبداع أو الإنماء بل ولا ان يحصلوا على معرفة حقيقية ممحصة جاهزة تمازج نفوسهم وتخالط أذهانهم وتتحرك بها عواطفهم.
إن العلوم والثقافات والفلسفات والآداب والحضارة ،بشكل عام، لم تتطور إلاّ بواسطة المندفعين تلقائياً الذين يقضون سنوات طويلة مستغرقين لكشف مجهول أو اثبات نظرية أو إبطال ادعاء، أو خلخلة جهالات مستعصية أو لإنجاز عمل إبداعي عظيم مدهش.
إن الثورات العلمية لم تتحقق بواسطة الذين يضطرون إلى ان يحفظوا بعض المذكرات المدرسية من هؤلاء الذين يكابدون التعلم كُرهاً ويتجهون إليه قسراً وينتهون من الدراسة وقد تشبعوا بالنفور من العلم وبالكره لكل ما يذكّرهم به وبآلامه وإكراهاته وإنما تحققت بواسطة المندفعين تلقائياً الذين يشعرون ذاتياً بقيمة المعرفة ويحسون بأن قيمة الإنسان هي بمقدار ما يملك من معارف ممحصة ومهارات عالية، وأخلاق مهذبة، وانضباط تلقائي. إنهم ليسوا بحاجة إلى من يقسرهم على التعلم قسراً بل انهم في الغالب لا يسيغون التفكير المدرسي القسري ولا يستجيبون لمتطلباته الجامدة ولا يرتاحون لاهتماماته الرتيبة وغير المثيرة.
إن الذين نشْأتهم التربية التلقائية على عشق المعرفة والحرص على بلوغ الحقيقة يندفعون للبحث والقراءة اندفاعاً تلقائياً، وإن المعرفة الممحصة تصبح بذلك شوقاً عميقاً من الأشواق الذاتية للفرد انه لا يقرأ مضطراً ومتلكئاً ولكنه يقرأ مستمتعاً ومندفعاً انه يحس احساساً داخلياً برغبة عارمة في ان يقرأ وان يواصل القراءة وان تكون القراءة هي متعته الأساسية وهي تسليته الدائمة فالكتاب رفيق حميم وصاحب محبوب لا يمكن الصبر عنه وبذلك فإن النفس تتشرب المعارف بيسر، وتمتزج هذه المعارف في البنية الذهنية بسهولة فتصبح زاداً تلقائياً وهذا هو الفرق بين مجتمع تربى أفراده على مباهج القراءة وارتبطوا عقلياً ونفسياً بهذه المباهج وتعايشوا معها وتعلقوا بها وصارت هي العنصر الأهم والأدوم في حياتهم، وبين مجتمع مازال مأخوذاً بثقافة المشافهة فلا يقرأ أفراده إلاّ إذا كانوا مضطرين وكما كتب المفكر العظيم عباس محمود العقاد: «إن القراءة لم تزل عندنا سُخرة يساق إليها الأكثرون طلباً لوظيفة أو منفعة ولم تزل عند أمم الحضارة حركة نفسية كحركة العضو الذي لا يطيق الجمود»
إن العلم لا يحقن حقناً ولا يُدخل إلى العقول عسفاً ولكنه ينجذب إلى الداخل بالرغبة واللهفة ويمتزج في الكيان بالعشق والمتعة أما من يقرأ اضطراراً فسيبقى محروماً من مباهج العلم وفي منأى عن حقائق الوجود، وسيظل محكوماً بالبرمجة التلقائية التي شكلته في الطفولة أما ما يضطر لدراسته اضطراراً فسوف يبقى طلاء خارجياً لا يمس التلقائية الراسخة فليس له تأثير على طريقة التفكير ولا على مسار العادات ولا على أنواع الاهتمامات ولا على منظومة القيم إنه كطلاءٍ خارجي على بيت خرب عتيق


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.