الشيخ/ عبدالعزيز الجليل

تفسير قوله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا), سورة البقرة: 143.

المقصود من استعراض أقوال السلف من تفسير هذه الآية هنا هو :
 الوقوف على المعنى الحق لمفهوم "الوسطية" والأمة الوسط, وذلك حتى ننطلق من هذا المعنى الصحيح في ذكر الأمثلة والمظاهر المتنوعة لهذه السمة المميزة للإسلام وأهله.

ورد تفسير "الأمة الوسط" في السنة النبوية, كما ذكر لها المفسرون عدة معان, وتفصيل ذلك كما يلي:

روى البخاري عن أنس بن سعيد الخدري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يارب, فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير, فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ, ويكون الرسول عليكم شهيداً فذلك قوله جل ذكره: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا), سورة البقرة: 143. والوسط: العدل(1).
وروى الطبري بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: "عدولاً"(2).

وقال ابن زيد: هم وسط بين النبي صلى الله عليه وسلم, وبين الأمم(3).

وقال الإمام الطبراني: "وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار, يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه, أي متوسط الحسب, إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه.

قال زهير بن أبي سُلمى في الوسط:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم          إذا نزلت إحدى الليالي بعظمِ

وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين, فلا هم أهل غلو فيه, غلو النصارى الذين  غلوا بالترهب, وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه ولا هم أهل تقصير فيه, تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله, وقتلوا أنبياء هم, وكذبوا على ربهم, وكفرو به(4).
ومنه الصلاة الوسطى, التي هي أفضل الصلوات, وهي العصر, كما ثبت في الصحاح وغيرها.

وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا): "أي:
 عدلاً وخيار, وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر, فيجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين, وسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى, وبين من جفاهم كاليهود, بأن آمنوا بهم كل على الوجه اللائق بذلك.
ووسطاً في الشريعة, لا تشديدات اليهود وآصارهم, ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم, لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم, ولا يطهرهم الماء من النجاسات, قد حرمت عليهم طيبات عقوبة لهم.
ولا كالنصارى الذي لا ينجسون شيئاً ولا يحرمون شيئاً, بل أباحوا ما دب ودرج.
بل طهارتهم أي هذه الأمة أكمل طهارة وأتمها, وأباح لهم الطيبات من المطاعم, والمشارب, والملابس, والمناكح, وحرم عليهم الخبائث من ذلك(5).

وقال سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
"إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً, فتقيم بينهم العدل والقسط, وتضع لهم الموازين والقيم, وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد, وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها, وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس, وفي مقام الحكم العدل بينهم وبينما هي تشهد على الناس هكذا, فإن الرسول هو الذي يشهد عليها, فيقرر لها موازينها وقيمها, ويحكم على أعمالها وتقاليدها, ويزين ما يصدر عنها, ويقول فيها الكلمة الأخيرة.

"أمة وسطاً"
في التصور والإعتقاد لا تغلوا في التجرد الروحي ولا في الإرتكاس المادي.
إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد, أو جسد تتلبس به روح.

"أمة وسطاً"
 في التفكير والشعور, لا تجمد على ماعلمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة.
ولا تتبع كذلك كل ناعق, وتقلد تقليد القردة المضحك, إنما تستمسك بمالديها من تصورات ومناهج  وأصول, ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب, وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها, وفي تثبت ويقين(6).

ويستدل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم فيقول: "ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خياراً عدولاً, هذا حقيقة الوسط, فهم خير الأمم, وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم, وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة, والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم, فهم شهداؤه, ولهذا نوه بهم, ورفع ذكرهم, وأثنى عليهم..(7).

وبعد استعراض ما سبق من أقوال المفسرين يتبين لنا فهم واضح محدد لمعنى الوسطية المذكورة في صفة هذه الأمة وكونها أمة وسطاً.


وهذا الفهم يتحدد في معنيين هما:

الأول: الخيرية والأفضلية.
الثاني: التوازن والعدل والقيام بالحق, والبينية بين الإفراط والتفريط.

والوسطية والعدل والبينية تقتضي أن يكون هناك طرفان مذمومان يكتنفان الوسط والعدل.
أحدهما: ينزع إلى الغلو والإفراط.
والآخر: ينزع إلى التفريط والإضاعة والجفاء.

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط, وإما إلى مجاوزة, وهي الإفراط, ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان"(8).
ويحسن بنا في هذا المقام أن نتعرض لمفهوم الغلو والإفراط, ومفهوم الجفاء والتفريط بعد أن اتضح لنا معنى الوسط والعدل والتوازن.

أولاً: الغلو والإفراط:
قال الجوهري: "وغلا في الأمر يغلو غلواً أي: جاوز فيه الحد"(9).

وقال في اللسان: "وغلا في الدين والأمر يغلو غلواً: جاوز حده, وقال في التنزيل (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ), سورة النساء: 171... وقال بعضهم: غلوت في الأمر غلواً وغلانية وغلانياً إذا تجاوز فيه الحد وأفرطت فيه... ويقال للشيئ إذا ارتفع: قد غلا, وغلا النبت: أي ارتفع وعظم" (10).
وقوله تعالى: (76 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ), سورة المائدة: 77.

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح فيتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل. فتقولوا  فيه: هو الله أو هو ابنه, ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"(11).


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والنصارى أكثر غلواً في الإعتقادات والأعمال من سائر الطوائف, وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن"(12).

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في آية المائدة: "أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تُطْروا من أُمرْتم بتعظيمه فتبالغلوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح, وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهاً من دون الله"(13).

وأما في السنة فقد ورت أحاديث كثيرة تنهى عن الغلوا والتشديد في الدين, وذكر بعضها هنا يساعد في فهم معنى الغلو وحدوده.

الحديث الأول:
 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم, غداة جمع: "هلم القط لي الحصى", فقلنا له حصيات من حصى الخذف, فلما وضعهن في يده قال: "نعم بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"(14).

الحديث الثاني:
 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطون". قالها ثلاثاً(15).
قال النووي: "هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجازون الحدود في أقوالهم (16).

الحديث الثالث:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فسددوا وقاربوا وأبشروا, وستعينوا بالغدوة والروحة وشيئ من الدلجة"(17).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "والتسديد: العمل بالسداد, وهو القصد والتوسط في العبادة, فلا يقصر فيما أمر به ولا يتحمل ما لا يطيقه"(18).

ثانيا:التفريط والجفاء:
قال في اللسان: "التفريط هو التضييع. وقال:  (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا), سورة الكهف: 28.
أي: كان أمره التفريط وهو تقديم العجز, وفرط في الأمر يفرط فرطاً. أي: قصر فيه وضيعه حتى فات, وكذلك التفريط"(19). ا. هـ.
وقال الجوهري: "فرط في الأمر فرطاً: أي قصر فيه وضيعه حتى فات, وكذلك  التفريط"(20).
وقد وردت مادة "فرط" في القرآن في عدة مواضع:
قال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا), سورة الأنعام: 31.
وقال القرطبي: وفرطنا معناه ضيعنا, وأصله, التقدم, يقال: فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء
ومنه: "أنا فرطكم على الحوض"(21).. ومنه في الدعاء للصبي: اللهم اجعله فرطا لأبويه,

قال ابن عباس: "لايفرطون". لا يضيعون.
قال القاسمي: (فَرَّطتُمْ ِفي يُوسُفَ). قصرتم في شأنه(22).
وبالتعرف على معنى التفريط نكون قد أحطنا علما بالطرفين المذمومين المخالفين للوسطية والعدل, هما: طرف الغلو والإفراط, وطرف التفريط والتقصير, وأن الميزان العدل وسط بينهما في كل الأمور.
وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيراً وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسُّنة فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره, فإن رأى فيه داعية للبدعة, وإعراضاً عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام به, وإن رأى فيه حرصاً على السُّنة, وشدة طلب لها  لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها,  فأمره بالاجتهاد والجور على النفس, ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلاً له: إن هذا خير وطاعة, والزيادة والاجتهاد فيها أكمل, فلا تفتر مع أهل الفتور, ولا تنم مع أهل النوم, فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد, فيخرج عن حدها, كما أن الأول خارج عن هذا الحد, فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر.

وهذا حال الخوارج الذين يحقرِ أهل الإستقامة صلاتهم مع صلاتهم, وصيامهم مع صامهم,
وقراءتهم مع قراءتهم, وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة, لكن هذا إلى بدعة التفريط, والإضاعة, والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف.
وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان.
إما إلى تفريط, وإما إلى مجاوزة, وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان" (23).
(وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق, يكون مقصراً مفرطاً في بعض دينه, غالياً متجاوزاً في بعضه, والمهدي من هداه الله).(24) ا.هـ.

تنبيه:

مسألة الموازنات في المصالح والمفاسد شأنها عظيم ولا يصلح أن يشتغل بها إلا الراسخون في العلم, المجتهدون الربانيون الذين حباهم الله رسوخاً في العلم والتقوى, وحماهم من الهوى وأغراض الدنيا, فهؤلاء هم الذين تتبع الأمة فتاواهم ومواقفهم لأنهم وإن بدا للوهلة الأولى أن في فتاواهم تقصيرًا, فإنهم قد انطلقوا في تقريرها من ضوابط شرعية دقيقة, ومن تجرد وإخلاص.
فمثل هذه الفتاوي لا يقال عنها إنها تفريط وتقصير, وإنما هي من العدل والحق إن شاء الله تعالى.
نعم لو أن من يتصدى لذلك كان من غير المعروفين بالرسوخ في العلم او من المعروفين بالهوى وحظوظ الدنيا, فإن فتاواهم في الغالب تنطلق من هوى أو دون ضوابط شرعية, وحينئذ يصدق على أمثال هؤلاء وصفهم بالتفريط والإضاعة.

فما أعظمه من دين, وما أجله من تشريع جاء لإسعاد الناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والبغي والعدوان إلى نور التوحيد والعدل والقسطاس المستقيم, فنحمده سبحانه على الهداية لهذا الدين القويم العظيم ونسأله عز وجل أن يثبتنا عليه وأن يميتنا عليه, وأن يجعلنا من الداعين إلى سبيله المستقيم, وأن يكتب على أيدينا إخراج من يشاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادته وحده سبحانه, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا الآخرة.


ـــــــــــــــ
(1) البخاري(4487), وقال الحافظ في الفتح: (8/22) قوله: (الوسط: العدل ) هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم.
(2) تفسير الطبري: (2/7), والحديث رواه الترمذي: (5/190), وصححه الألباني  في صحيح الترمذي: (2361).
(3) تفسير الطبراني: (2/7).
(4) تفسير الطبراني : (2/6).
(5) تفسير السعدي: (1/157).
(6) في ظلال القرآن: (1/13).
(7) بدائع التفسير: (1/369).
(8) مدارج السالكين: (2/342), ط. دار طيبة.
(9) مختار الصحاح: (6/2448).
(10) لسان العرب: مادة (غلا).
(11) تفسير الطبراني: (68316).
(12) اقتضاء الصراط المستقيم: (1/289).
(13) تفسير  ابن كثير: (2/82).
(14) االنسائي: (5/268) برقم (3057), وابن ماجة: (3029), وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: (1283).
(15) مسلم: (2670).
(16) شرح مسلم  للنووي: (16/220).
(17) البخاري: (39).
(18) المحجة في سير ا لدلجة: (ص51).
(19) لسان العرب: مادة (فرط).
(20) مختار الصحاح.
(21) أخرجه البخاري في الرقاق: (6575), ومسلم في الفضائل: (2297).
(22) انظر تفسير القاسمي: (9/3579).
(23) مدارج السالكين: (2/342), دار طيبة.
(24) الروح لا بن القيم: (545), دار إحياء العلوم.


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.