عبد القادر الكاملي

استكملت البلدان المتقدمة تشييد البنية التحتية لعصر المعلومات، وبدأت تستعد لدخول عصر المعرفة.
والفرق بين المعلومات والمعرفة كبير
فالمعلومات هي : حقائق معزولة نستخلصها من البيانات.
أما المعرفة فهي : بنية منطقية متماسكة معززة بآلية لتحليل المعلومات واستخلاص النتائج منها، بحيث تساعدنا على اتخاذ القرارات بما ينسجم مع الأهداف التي نرسمها لمجتمعاتنا.


يرتكز عصر المعلومات على قواعد البيانات الإلكترونية
فيما يرتكز عصر المعرفة على نظم المعلومات الرقمية، ويتطلب بنية متينة وسريعة للاتصالات تتيح تدفق المعلومات وتكوين قواعد معرفة ضخمة، موزعة في أماكن متعددة على سطح الأرض.
يطرح عصر المعرفة قضايا عديدة شائكة تمثل تحديات كبيرة، حتى بالنسبة للبلدان المتقدمة. ففكرة العولمة التي يتمحور حولها عصر المعرفة، والتي تلعب فيها شبكة إنترنت دوراً تقنياً أساسياً، تتطلب تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فشعار الاقتصاد العالمي لعصر المعرفة الذي يتمثل في (اصنع سلعتك التي تشاء في المكان الذي تشاء، وبعها حيث تشاء)، يتطلب توفر حرية كاملة لتنقل رؤوس الأموال والأيدي العاملة، ويتيح فرصة العمل عن بعد لشريحة واسعة من البشر.

ويتوقع أن يؤدي هذا إلى تغييرات هامة في خارطة الصناعة العالمية ومنها :
• هجرة العديد من الاستثمارات العالمية إلى الأماكن التي توفر تكلفة أقل وإنتاجية أعلى.
• سيتعرض عمال البلدان المتقدمة إلى منافسة حادة من عمال البلدان الأقل تطوراً، وقد يؤدي ذلك إلى تخفيض أجورهم، لأن شركات عصر المعرفة لن تفكر سوى في جني الأرباح.
• سيصبح أهم شرط لنجاح أي شركة هو التسلح بعمال أكثر تدريباً وكفاءة.
• وسيكون المعيار الأساسي للحصول على وظيفة هو المهارة الفكرية والتقنية، مما سيؤدي إلى تزايد أهمية التعليم والتأهيل.
• وسيزول ولاء العامل لمؤسسته، بسبب شعوره أن رب العمل سيتخلى عنه فوراً إذا عثر على عامل أكثر كفاءة منه أو أقل أجراً، وسوف يدفعه هذا للتفكير بنفسه فقط، ولن يتوانى عن ترك عمله إذا عثر على وظيفة أعلى أجراً، ولو بقليل.

يقول (ثورو) أستاذ علم الاقتصاد في معهد MIT الأمريكي :
''عندما تكون (رأسمالية البقاء للأصلح) النظام العالمي الأوحد، يصبح ولاء العاملين لمؤسساتهم من مخلفات الماضي''. وسيدفع هذا بالشركات إلى تخفيض نفقات تدريب عمالها، طالما أنها لا تعرف من منهم سيبقى، ومن سيترك العمل بعد فترة وجيزة، مما سيلحق ضرراً بالمجتمع ككل.
ونتيجة لتزايد حدة المنافسة بين الشركات وتزايد الضغط على هامش الأرباح، ستقلص الشركات الميزانية المخصصة للأبحاث طويلة الأمد، بل إن هذا قد حدث بالفعل، إذ أوقفت مختبرات شركتي IBM و Bell إنفاقها على هذا النوع من الأبحاث.
هذه التحديات الخطيرة التي يخلقها عصر المعلومات تتطلب من حكومات البلدان المتقدمة إحداث تغييرات في التشريعات والقوانين الخاصة بالأعمال والتجارة بما يساعد على تجنب سلبيات عصر المعرفة.

ويرى بعض منظري عصر المعرفة أن العولمة ستؤدي إلى تفكيك البلدان التي تضم تجمعات بشرية غير متجانسة عرقياً أو قومياً. لأن الفوائد اللوجستية التي توفرها الوحدة الجغرافية ستتلاشى بسبب الانفتاح العالمي وتطور نظم الاتصالات.
والحل الوحيد لتجنب ذلك يتمثل في الانتقال إلى نظام لا مركزي، يوفر حكماً ذاتياً واسع النطاق.
وعلى الصعيد السياسي ستتقلص السيطرة الحكومية على الاقتصاد وتدفق المعلومات، مما سيفقد النظم الدكتاتورية مبررات وجودها.

ماذا عن البلدان العربية؟
على الرغم من اختلاف درجة انخراط البلدان العربية في عصر المعلومات ، إلا أن أي منها لم يكمل بعد إنشاء البنية التحتية اللازمة له ، ولا تزال جميعها بعيدة عن عصر المعرفة.
تتوفر أمام البلدان العربية فرصة حقيقية لحرق مراحل التطور التقليدية، والقفز مباشرة إلى عصر المعرفة.
• الخطوة الأولى لإنجاز ذلك تتمثل في إنجاز البنية التحتية للمعلومات، من خلال توفير شبكة اتصالات عصرية سريعة بأرخص الأسعار الممكنة. فمن الغريب أن تكون أسعار الاتصالات في بعض البلدان العربية، الأعلى في العالم، على الرغم من تدني مستويات الدخل فيها عن المتوسط العالمي.
• ويجب أيضاً توفير كافة متطلبات التجارة الإلكترونية، ودعم انتشار تقنيات الكمبيوتر وتطبيقاته، بما يساهم في تحسين الاقتصاد ورفع مستوى الخدمات الاجتماعية.
• ومن النقاط الهامة التي يجب إنجازها سريعاً، إنشاء قواعد بيانات في كافة المؤسسات الحكومية وربطها ببعض، وتشجيع القطاع الخاص على القيام بإجراءات مماثلة، والانطلاق منها لتكوين قواعد المعرفة. إذ لا معنى للحديث عن عصر المعلومات، إذا كنا لا نملك قواعد بيانات وطنية.
• وعلينا أيضاً أن نخطط لثورة تعليمية حقيقية في المناهج وطرق التعليم والتجهيزات التقنية في المدارس والجامعات. فعصر المعرفة يرتكز على المهارة الفكرية والمعرفية، والمنافسة فيه ترتكز على التفوق العلمي والتقني. ولابد لنا من توظيف استثمارات كبيرة في هذا المجال، إذا أردنا إنتاج ونتيجة.


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.