كتب . عبدالله القرزعي -

كنا صغاراً نلعب في حينا الجديد (حي الصفا) ونلهو ...
جمعتنا الجيرة بشيخ جليل كفيف البصر مبصر البصيرة ...
منظره مبهج ومريح ويدعوا للأمل والتفاؤل ...
يرتدي عقالاً وهنداماً أفضل من المبصرين ...
رائحته زكية وروحه بهية ؛ يسلم على كل من يقابله ؛ ويهدي الأطفال الحلوى...

في ذات يوم سعدت وفرحت كثيراً عندما زارنا في بيتنا الجديد واعتقدت أنه جار أتى يسلم على جيرانه فقط ؛ حتى سلمت عليه والدتي ورحبت به وقالت له : حياك الله ياعم !!

يا الله والحمد لله
ذلك الشيخ الجليل ... جار وقريب لنا ...
أسمته عماً لأنه شيخ كبير وفاضل وإلا فهو ليس أخاً لجدي لأمي ولا لأبي وتربطنا به علاقة خؤولة وعمومة عن طريق الأجداد.

عرفت عمي عبدالله الصالح المحمد –رحمه الله- مؤذناً لمسجد الحي صوته يشجي ؛ وقل وندر أن يغيب صوته عن مئذنة ومنبر المسجد على مدى ثمان سنوات تجاورنا فيها .

في طفولتنا ...
نتسابق لمسك يده التي تفوح مسكاً من بيته إلى مسجده ليؤذن ونحظى بمنحه الحلوى لنا ؛ وليسمعنا بعض الدعوات والمديح ؛ وإلا فهو يدل طريقة خطوة خطوة أفضل منا فقد اعتاده وتعود عليه.
ثم أصبح عمي -رحمه الله- لاحقاً إماماً للمسجد ؛ وكانت قراءته شجية جميلة وصلاته وسط بين السرعة والإبطاء.

كان -رحمه الله- لديه مهارات اتصالية اجتماعية رائعة بروعته ؛ ومنها سؤاله وحرصه على الكل ؛ ويبدأ بالصغار بالاسم لأنهم غالباً ما ينسون من الكبار ؛ في مجالسة منصت باهتمام ؛ ولسانه يلهج دوماً بذكر الله والاستغفار والتسبيح...

موقف لا يمكن أن تمحوه ذاكرتي

بعد أن أصبح –رحمه الله- إماماً للمسجد ؛ خرج ذات يوم لصلاة المغرب متأخراً وكان يسارع المسير ...
وقد ركبت شركة الكهرباء للتو أعمدة إنارة جديدة في الحي ؛
فارتطم بواحد منها بقوة وسقط على الأرض ؛
كنا نلعب في الشارع وما أن شاهدته من بعيد ذهبت إليه مسرعاً وسلمت عليه وعرضت عليه أن أوصله للمسجد بعد أن تأثر قليلاً من أثر اصطدامه بعمود الكهرباء
وقال لي : بسرعة بسرعة ياوليدي.
تسارعت خطانا وكان يسحبني ولا اسحبه وأنا له مرشد ؛ وما أن اقتربنا للمسجد إلا وكانت الصلاة جماعة قد قضيت ...
فقلت له : طلعوا من الصلاة ياعم ...
لم أشعر به إلا وهو يحوقل (لاحول ولا قوة إلا بالله) ويسترجع (إنا لله وإنا له راجعون) ويستعيذ من الشيطان ... شيئاً فشيئاً إلا وكانت دموعه تنسكب على وجنتيه وعلى شعر لحيته التي اكتست بالبياض اجلالاً وطهرا.....
لاإله إلا الله ... كم كان المسجد والصلاة تعني له ؛ وفرض واحد فاته وبكى ....
(فكم يجب أن نبكي نحن) !!!

دخلنا المسجد وإذا بجماعة تصلي فسمع صوتها
فقال : فيه جماعة ياوليدي ؟
فقلت : نعم ياعم ...
فتهلل وجهه بشراً وأضاء إشراقاً وتبسم
وقال : الحمد لله على فضله.

ما أن صليت وعدت للبيت إلا وأخبرت أمي بالقصة ...
فبكت وأبكت ... ومازالت ترن في أذني كلمتها حيث قالت : نسأل الله الكريم من فضله.
وكان هذا الموقف ثابتاً في ذهنه –رحمه الله – وكلما سلمت عليه وقبلت رأسه .. تهلل
وقال : هلا بولدي اللي دلني المسجد بسرعة ...
كنت فخوراً بإشادته رغم أنه هو من دلني ولست أنا من أرشدته للمسجد.

رحلنا عن الحي وفقدنا جيرته النقية وصلة قربه الزكية ؛
كان أول زائر لنا في البيت الجديد وأول داع لنا بالخير ؛

تباعدت المسافات فتباعد السؤال وكان له الحق علينا ... والحمد لله لم ينقطع تواصلنا معه .
قلت حركته ولازم سريره لمدة ثلاث سنوات ....
وحتى وفاته كان يعرف من يأتيه أحياناً ؛ ويسأل عن الصغار والكبار بالاسم ...
حتى تهادت القدرة الكلامية عنده وقلت ؛ وما أن نزوره في المستشفى القريب من بيتنا الجديد إلا وتسمع همسه مؤذناً أو قارئاً للقرآن ....
إلى أن توفي رحمه الله عام 1424هـ عن عمر يناهز المئة عام
وله من الأبناء الأفاضل صالح وسليمان وإبراهيم وعبدالعزيز وفقهم الله للخير.


عمي عبدالله بن صالح بن محمد القرزعي

رمز النقاء
ونبراس الإخاء والتقارب والمحبة
وطريق الصفاء والألفة
وشعار التعامل والتعاطف والتراحم
ومعنى التدين والالتزام والسلام والمسالمة....

رحمك الله اللهم اجعله في عليين مع الصديقين والأنبياء والصالحين ...
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ...
وبيض وجهه يوم يلقاك.

كنت نعم الشيخ ...
علمتنا كيف نحب ونتآلف ؛
وكيف يجب أن يكون المسلم في تعاهده مع ربه وتعامله مع خلقه.

صورة مشرقة .... تستحق أن تحتفظ بها ذاكرة الأجيال


التعليقات : 1

غير معرف

-





لي آلفخخر آني آككون حفيدة هآلآنسسـآن ق1

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.