كتب . عبدالله القرزعي -
يكبرني بسنة ونصف ؛ طفولة هادئة ومسالمة ومراهقة سوية وشباب متزن ورجولة مكتملة ؛ محبوب للجميع في جميع مراحل حياته ؛ علاقتي به تتعدى علاقة أخ بأخيه ؛ فهو شقيقي وشق نفسي وجزء من كياني .


تعلمت منه الكثير واستندت عليه -بعد الله- كثيراً في مشكلاتي ؛ كان نعم الأخ الصديق الصدوق الصادق المتصدق الوفي ؛ تعلمت منه العطاء وأخذت منه أكثر مما أعطيته .

كاشف الطريق بالنسبة لي ؛ فهو دوماً يسبقني باستطلاع المرحلة أياً كانت ؛ دخل المدرسة الابتدائية قبلي بسنة ؛ فافتقدت رفيق الصباح لعام دراسي ؛ حتى لحقت به في العام التالي ؛ وقد انتقل للصف الثاني وأنا في الصف الأول الابتدائي ... وجوه غريبة لا أعرف منها غير وجه سالم ؛ فكان أمني وأماني ومدخلي لمجتمع غريب ؛ يرعاني في المدرسة ويذود عن حياضي.

كنت طالباً فوق المتوسط من حيث المستوى في المرحلة الابتدائية ؛ نجحت من الصف الأول الابتدائي للصف الثاني ؛ وشاءت الأقدار أن يبقى سالم المتفوق !!! في الصف الثاني الابتدائي ليعيد السنة بسبب حاجز نفسي بينه وبين معلم مادة القرآن الكريم –رحمه الله- الذي كان قاسياً على طفولته (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 216] كانت تلك المشكلة بالنسبة لسالم تحد كبير لما هو قادم ؛ وبالنسبة لي سالم مرة أخرى! ولكن في مكان أخر.

أذكر أنني كنت كثير اللعب قليل المذاكرة في الصف الأول الابتدائي ونجحت ؛ وأعاد سالم الطفل الجاد المتفوق في صفه ؛ بكى سالم بحرقه عندما ظهرت نتيجته ؛ وببراءة الطفولة قلت له : (لو كنت تلعب معي كل يوم ولا تذاكر كان نجحت مثلي)!! فذهب قولي في العائلة مثلاً يردد حتى الساعة.

عام دراسي جديد ؛ وأنا وسالم جنباً لجنب على طاولة الدراسة حتى تخرجنا من الصف الثالث ثانوي ؛ كنت لا أكترث كثيراً بشرح المعلمين ..... يذهب الدرس تلو الآخر وأنا شارد الذهن خارج الصف ؟! أما لماذا ؟ فالجواب : عندي سالم أخي ومعلمي الخاص اليقض والمنتبه طوال وقت اليوم الدراسي ؛ حتى في الواجبات والمهام كنت متطفلاً عليه ؛ وعند الاختبارات الكل قلق ! بما فيهم سالم ... أما أنا فآمن بالله ثم بسالم ؛ كما أمن الله عز وجل قريش من الجوع والخوف ... سالم يذاكر ويجد ويحفظ ويعطيني خلاصات الخلاصات المنجية من بعد صلاة المغرب وفق الوقت المتاح.

كان ومازال سالم طفلاً ومراهقاً ورجلاً متفوقاً مهذباً جاداً ؛ وكنت متطفلاً عليه دوماً ؛ بحسب ما يعطيني سالم... تتحدد درجاتي ومستواي ؛ فأنا نتيجته ونتاجه ؛ وسلمت أمري لله ثم لسالم.

في ثاني متوسط .... حدث أن أكملت دور ثان في مادة الرياضيات ؛ بسبب تعب عارض داهمني أثناء فترة الاختبارات (حجة البليد) ؛ الغريب أن الأمر مر علي بسلام ونجحت في الدور الثاني ؛ ولكن سالم لم يسامح نفسه على هفوة ليست من صنع يديه ولامته الأسرة على رسوبي ؛ وبدأ كل مرة يذاكر لي دروسي يقول : (شد حيلك ما نبغا نكرر الدور الثاني ) !!!

في أول ثانوي ..... افترقت عن سالم لأول مرة ؛ هو في صف وأنا في آخر ؛ تعنت مدير المدرسة ورفض أن يجمعنا في صف واحد !! افتقدت سالم لأول مرة منذ عشر سنوات . وعزائي أن كان صفه قريب من صفي ؛ ولكن معلميه غير معلمي وواجباتهم وتكليفاتهم غير ؛ ومع ذلك كان سالم يتفقد واجباتي ويساعدني كل مرة !!!
افتتحت ثانوية جديدة قرب المنزل .... ونقلنا نهاية الفصل الدراسي الأول وإلتم الشمل مع سالم مرة أخرى في صف واحد (الحمد لله).

عندما جاء الصف الثاني ثانوي (أدبي-علمي) لم تكن ميولي ولا مستواي يشيران أنني ممكن أتجه للعلمي ... ولكني فكرت بتصنيف (أين ذهب سالم .... فذهبت) فكنت عالة عليه طوال سنتين مضافة لسنوات عشر سابقة.

اشتركت معه طوال ثلاث سنوات بسيارة واحدة مشتركة ؛ كنت أنا السائق دائماً ؛ وكان هو متنازل عنها بطوعه واختياره ؛ لأن هناك ما يشغله أكثر من هذا الأمر ؛ الذي لا يهتم به إلا مراهق !!!

تخرجنا من الثانوي ........ مجموع سالم أدخله كلية الهندسة في جامعة الملك سعود بالرياض ؛ و(خيبتي) أعادتني لما أستطيع أن أسير باقي تعليمي فيه ؛ اتجهت صدفة إلى كلية أدبية قسم الاجتماع –مسار خدمة اجتماعية- ؛ هنا افترقنا أجساداً ... وبقي سالم في ذهني حاضراً ؛ هل تصدقون أنني كنت أبذل قصارى جهدي ... ليرى سالم في تلميذه الذي تبناه النجابة والنجاح!!!

شق سالم طريقه وتخرج مهندساً لا يشق له غبار وبتفوق تام ؛ وشققت طريقي الجامعي وحققت آمال سالم فيني ومع مرتبة الشرف ؛ رشحت للإعادة التي لم تكتب لي بسبب أمر إقليمي (حجة واقعة حقيقة مع الأسف).

قدمت للماجستير في نفس جامعة سالم (عل الزمن يجمعنا في جامعة واحدة وهو لم يتخرج بعد) وقبل 6 طلاب من بين 54 متقدماً كنت أنا من ضمنهم ؛ انتظمت كطالب دراسات عليا بمكافأة 890 ريال ... والأهم اجتمعت مع سالم في سكن واحد وجامعة واحدة ومدينة واحدة .

سارت الأمور على غير ما أرغب ؛ نزلت وظيفتي الرسمية معلماً على المستوى الخامس براتب 6090 ريال ؛ فرق كبير مقارنة بمكافأة طالب دراسات عليا 890 ريال ؛ وكان خياري أن التحقت بالوظيفة ؛ ولم تخدمني الأنظمة ليتم تأجيل الماجستير أو إلحاقي به عبر وظيفتي الجديدة التي لم تسجل لي أي يوم في الخدمة بعد.

أطلت عليكم .....
سالم الآن ضابط برتبة مقدم مهندس في الجيش السعودي الأبي ؛ ويسكن في مدينة غير المدينة التي أسكن بها منذ أكثر من 22 سنة ....
سالم بالنسبة لي مازال انموذجا أتمثله ... أدعوا الله دوماً أن يكونوا أبنائي مثله.
ولأن سالم نموذجاً مشرقاً .... أحببت أن اشرككم في اشراقاته

تحياتي لكم ولسالم مدرستي في الحياة


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.