الرياض- منصور العسّافالتغذية المدرسية في الثمانينات والتسعينات

    لعل جيل الثمانينيات والتسعينيات الهجرية ما زال يختزل في ذاكرته ما اصطلح الرأي العام على تسميته ب «أيام التغذية»، حيث أقرت وزارة التربية والتعليم (وزارة المعارف آنذاك) إيصال وجبة إفطار متكاملة لجميع طلاب الإعداد العام في كافة المدن والقرى والهجر، ولذلك هيئت جميع إدارات التعليم بمختلف المناطق لبرنامج «التغذية المدرسية»، بل شملت هذه المبادرة أيضاً توزيع الملابس الرياضية لجميع الطلاب وبأطقم متعددة الألوان والمقاسات، إلاّ أن ألوانها في السنوات الأخيرة توحدت باللونين الأخضر والأبيض لون العلم الرسمي والمنتخب الوطني.

كان برنامج التغذية ظاهرة يصعب على جيل الثمانينيات والتسعينيات الهجرية نسيانها إذ طالما قُرن هذا البرنامج بالأيام الجميلة لأبناء هذا الجيل الذي أدرك الطفرة الأولى، واستفاد من المباني الجاهزة، والحافلات المتنقلة، إلى جانب توزيع الملابس الرياضية، والوجبات الغذائية، ومتابعة تجهيز المكتبات، والفصول الدراسية، والمعامل البحثية من قبل الوزارة أولاً بأول، ولهذا ظل برنامج التغذية والملابس الرياضية حديث ماضٍ لا يمل، ومبادرة إدارية رسمية تحتاج أن ينفض عنها غبار الواحد والثلاثين عاماً للعمل على دراستها وتطويرها، والنظر في مدى الإفادة منها لإيصال وجبة الإفطار لجميع الطلبة الموسرين منهم والمعوزين على حد سواء.

التغذية المدرسية

تشير المعلومات المتوفرة أن الفكرة كانت قد طرحت منذ عهد الملك فيصل -رحمه الله-، وبدأ العمل بها في عهد الملك خالد -رحمه الله- عام 1396-1397ه، حيث بدأت وزارة المعارف آنذاك بتوزيع علب التغذية على كافة المدارس في المملكة بعد أن تم التعاقد مع شركة أوروبية عن طريق الشركة العربية السعودية "سيف"، وبدأ التوزيع في نهاية عام 1396ه وبداية عام 1397ه؛ ليشمل طلاب مدارس الإعداد العام دون الطالبات اللائي كن يتبعن للرئاسة العامة لتعليم البنات.

وكانت التغذية تصل إلى الطلاب يومياً عبر مندوبي الشركة المعنية وبمراقبة من الوزارة التي أعدت عربات تبريد وثلاجات كبيرة وضعت أمام المدارس مازال بعضها في القرى والهجر "مقيم ما أقام عسيب"، والغرض منها حفظ الوجبات صباحاً لحين توزيعها قرابة الساعة التاسعة أي بعد الحصة الثانية من الجدول الدراسي اليومي، وكانت الوجبات تختلف باختلاف الأيام فلكل يوم من الأسبوع وجبة معينة تكرر في الأسبوع الذي يليه أي أنها خمس وجبات موزعة على خمسة أيام من السبت إلى الأربعاء، وتوزع الوجبات في علبة كرتون مكعبة لا تزيد أطوالها عن 15 سم تحوي جميع الأصناف، وتختلف ألوانها باختلاف أصنافها فعلبة يوم السبت تختلف عن علبة يوم الأحد وكذلك في بقية الأيام حتى يوم الأربعاء.

وكانت الوجبات المعروضة في السنة الأولى من البرنامج تختلف عنها في السنتين الثانية والثالثة، وهكذا كانت الشركة المتعاقدة تحاول كل سنة أن تحقق الرغبات بتوزيع الأصناف ومراعاة الأذواق المتباينة، لا سيما بعد أن شعرت بنقد المسؤولين لها المبني على نقد الطلاب أنفسهم وأولياء أمورهم من أن الشركة لم توفق في اختيار أصناف الأطعمة، حيث ظنت أن الأكلات الشعبية والمحلية ستجد القبول عند الطلبة الذين تثبت المعلومات المتوفرة سعادتهم ببرنامج التغذية المدرسية، إلاّ أن حلة اللحم البقري وحلة الدجاج و"الرافيولي" والسلطة المكسيكية كانت محل استنكارهم، لا سيما وهي تقدم بعلب معدنية محكمة الإقفال، كما أن تقديم الحليب البارد لم يجد القبول لكون طلبة ذلك الزمان اعتادوا أن يشربوا الحليب ساخناً بالزنجبيل، ولعل ثقافة شرب الحليب البارد المعلب جاءت بعد سنوات من برنامج التغذية، حيث دشنت شركات الألبان المحلية منتجاتها من الحليب المبرد طويل الأجل وبأحجام متباينة، وكان للأطفال منها نصيب، لا سيما بعد أن أدخلت عليها النكهات المختلفة، كل ذلك جعل الشركة المتعاقد تسارع لتطوير برنامجها، وتحديداً في السنتين الأخيرة (1399-1400ه)؛ لتقدم وجبات أكثر فائدة وأسهل حفظاً، وتكاد تكون مستساغة من أغلب الطلاب لاحتوائها على عصير البرتقال والفول السوداني والجوز والبسكويت بأنواعه (بسكويت الحليب، بسكويت الشعير، بسكويت اللوز) والجبنة والكعكة ومهلبية الكاكاو.

«عيال الفقر» تعودوا على الأكلات الشعبية واستنكروا «حلة اللحم البقري» و«الرافيولي» والسلطة المكسيكية!

مزاد طلابي

كانت بعض هذه الوجبات محل منافسة لدى بعض الطلاب الذين يساومون لبيعها على زملائهم ليشترونها بالريال والريالان، كما أن بعض الطلاب يحصل عن طريق الخطأ على علبة ثانية فيترك لنفسه الخيار إما أن يبيعها "بريالين" أثناء الخروج من المدرسة، أو يرضى بأن تصاحبه إلى منزله كضيف عزيز مرحب بجنابه، وكانت ساحات الخروج من المدرسة تشهد في بعض تلك الأيام مزادات ومساومة على أصناف مختلفة من هذه الأكلات، إلاّ أن أسعار مهلبية الكاكاو والجبنة أو الكعكة تحل محل الصدارة، وتشهد أيامها ارتفاعاً في عدد الطلب مع قلة العرض، لا سيما وأن مهلبية الكاكاو كانت توزع في يوم الأربعاء والكعكة مخصصة ليوم الثلاثاء، أما الجبنة فلا توزع إلا في يوم الاثنين من كل أسبوع، وكان هذا "المزاد" يقام مع نهاية اليوم الدراسي عند بوابة المدرسة، أو وسط الحافلة التي تقل الطلاب إلى بيوتهم، وقد يقام أحياناً "حراج صغير" أثناء "الفسحة" بشرط أن يأمن الباعة والمشترون من عين الرقيب المتمثلة في أستاذ المراقبة أو طلبة "النظام" المدرسي الذين يتعاونون مع إدارة المدرسة لمراقبة زملائهم الطلاب، مما جعلهم لا يحظون بصداقات حميمية مع زملائهم الآخرين الذين يرون في عملهم الرقابي ضرباً من التجسس عليهم لصالح إدارة المدرسة وهذا ما يعتبر بعرف طلبة ذات الزمان -وربما حتى الآن- قطعاً لجميع أواصر الأخوة والزمالة بل خارماً من خوارم المروءات وطعناً في روابط الصداقات.

طلبة التفتيش

كان طلبة "النظام" أو التفتيش معروفين لدى زملائهم بصفات لا يجهلها حتى حديثي العهد بالمدرسة؛ فهم وإن كانوا مقربين للإدارة، إلاّ أن التزامهم بفصولهم أقل من زملائهم، كما أن تواجدهم قرب مكتب المدير ونائبه من علامات انتسابهم لمهمتهم، ناهيك عن أن وقوفهم وإشرافهم على توزيع علب التغذية والملابس الرياضية يعد دليلاً آخر تستطيع معرفتهم من خلاله، بل ستعرفهم أكثر من حديثهم المتعالي؛ فهم يتحدثون معك بنبرة الأساتذة ويرمقونك بنظراتهم الحادة وليس ذلك عائداً لجرأتهم بقدر ما يعود لمكانتهم وقربهم من صناع القرار، كما وصفوا بسرعة بالخطى في حركتهم وتنقلهم مع صمتهم المريب وقربهم من المدرسين وتواجد أسمائهم في طليعة أسماء الطلبة المكرمين والمرشحين للزيارات الميدانية، وبسبب عملهم ب "النظام" فهم لا يخرجون مع الطلبة أثناء "الطلعة"، بل يتأخرون عنهم أو يتقدمون أحياناً لأسباب لا يجهلها الطالب الفطن.

الصغار ينتظرون «مهلبية الكاكاو» و«الجبنة» و«الكعكة».. والكبار حولوها إلى «مزاد علني» في «الطلعة»!

في تلك الفترة لم يكن ثمة مرشد طلابي يستمع لآراء الطلاب حيال هذه الوجبات، كما عاشت مقاصف المدارس موسم خريف طيلة أيام برنامج التغذية في الوقت الذي عاودت فيه ازدهارها ونشاطها عام 1401ه حين إيقاف توزيع وجبات التغذية عن كافة مدارس الإعداد العام بالمملكة، مما جعل مساهمات الطلاب في المقصف المدرسي تجنى أرباحاً تزيد على (100%)، وفي عام 1399ه أضيف كراس مدرسي يحكي قصة "بادي" ذو الكوفية البيضاء وأخوه سعيد، وتحوي هذه الكراسة صوراً لأعلام الدول العربية التي يتسابق الطلاب لجمعها ووضعها في المكان المناسب في داخل الكراسة.

إيقاف برنامج التغذية كان صاعقة على كثير من الطلاب الذين وصف حالهم زميل لهم وقف أمام زحام المقصف المدرسي، وفوجئ بنفاد "الساندوتشات" فتذكر العيش الرغيد مع برنامج التغذية، وكتب لأستاذ اللغة الإنجليزية المشرف على أداء المقصف قصيدة مختومة في كل بيت بكلمة انجليزية، يقول:

قصيدتي فاسمعوها

باللسان الإنجليش

يا بني فصلي أفيقوا

إنما البيع فينش

كيف ترضون بعيش

جله بيض وفيش

أصبح الجسم نحيلاً

بعد أن كان فاتيش

رحم الله زماناً

نأكل الزاد فريش

نشرب التوت المحلى

لونه صافٍ ريديش

فيه للصدر شفاءٌ

فيه للجسم نورش

وكذا لوزٌ وجوزٌ

ليس في اللوز بليمش

وفطير الفرن لحمٌ

أو خضارٌ وسبنش

يأتي محمولاً إلينا

وفق دقات جرينتش

يقوده أعجميٌ

من العلوج بيقش

يصل الصبح سليماً

تحت إشراف بريتش

بطبيخ مشرقي

ومستشارٍ موريش

فيه للأطفال جبنٌ

وحليبٌ إيتاليش

يا سقى الله زماناً

حالنا فيه كيديش

كأننا في نعيمٍ

ليس بالدنيا هوقيش

ولا حسودٌ بغيض

ولا حقودٌ كاتيش

وليس فينا غبيٌ

وليس فينا فوليش

وليس في الأرض ساعٍ

على الأنام كوكيش

كأننا في منامٍ

نرقب الحلم بيوقيش

 

الملابس الرياضية

يختلف برنامج توزيع الملابس الرياضية في مدارس الإعداد العام عن برنامج التغذية؛ لكون الأول وضع بمناقصات متعددة استلمته خلالها عدة شركات كانت توزع أطقم الملابس من القمصان والمعاطف والسراويل والأحذية بالألوان المتعددة، إلاّ أن توزيع الملابس استمرت بعد انقطاع برنامج التغذية عام 1401ه، وكانت ألوان الملابس متنوعة إلاّ في عام 1401ه، حيث ظهرت باللونين الأصفر والأزرق، أو الأزرق والأبيض، وقميص داخلي أخضر وأبيض، وأحذية من الشراع، ولم يتم توزيعها عام 1402ه ولا عام 1404ه، وعاد توزيعها عام 1405ه ،وكان هذا العام آخرعام توزع فيه هذه الملابس، حيث كانت ملابس 1403ه وكذلك 1405ه مقصورة على اللونين الأخضر والأبيض موحشة "ببروش" في أيسر الصدر مكتوب عليه (وزارة المعارف)، ويكاد يجمع الطلاب في تلك الفترة وكذا المسؤولين على أن الملابس الرياضية كانت عالية الجودة حتى أن الطلاب الذين يلبسونها أسفل ثيابهم لا سيما طلاب المرحلة الابتدائية يقرون بمتانتها وصبرها أمام عاديات الزمن، مما كان مصدر اطمئنان لأمهاتهم اللائي كن يخشن البرد على أبنائهن.

إيقاف التغذية

كان برنامج التغذية المدرسية مثار جدل طويل بين المسؤولين في وزارة المالية ووزارة المعارف التي اختلفت وجهات نظر مسؤوليها حيال البرنامج، وشهدت سنوات (1397 إلى 1400ه) مراسلات ومعاملات، بل واجتماعات طوال بين المسؤولين في وزارة المعارف من جهة وبين مسؤوليها ووزارة المالية من جهة أخرى، وانتهى الأمر بإيقاف البرنامج مع موسم عام 1401ه، حيث تفاجأ طلاب ذلك العام بطوابير المقصف تعود عليهم من جديد، وتبرز أهم ملاحظات المطالبين بإيقاف البرنامج بعدم استساغة الطلاب للأكلات المقدمة، لا سيما في السنوات الأولى التي قدمت فيها وجبات العصيدة وحلة الدجاج وحلة اللحم، كما لوحظ عدم قبول بعض أسر الطلبة الميسورين لهذه الوجبات، وإن كان ذلك في مدارس محدودة في المدن الكبيرة، إلاّ أنه لم يغب عن المسؤولين، كما أن الوجبات في بعض المدارس تزيد عن عدد الطلاب فيتبادلها عمال النظافة أو توزيع عشوائياً من قبل إدارة المدرسة، ناهيك عن التقارير التي كانت تصل إلى إدارات التعليم مفيدة بخطورة علب العصير والجبنة والمهلبية وغيرها على سلامة الطلاب، لا سيما حين المشاجرات بين بعضهم البعض أو عند التعامل مع قصاصات هذه العلب كل هذه الأسباب تضاءلت أمام إيجابيات البرنامج، إلاّ أن سبباً رئيساً ربما كان وراء قرار الإيقاف وهو تحفظ المسؤولين على جشع الشركة الأجنبية المتعاقد معها وحصر العقد عليها وتعاملها بالفرنك السويسري الذي يشهد في تلك الفترة تصاعداً مطرداً.

 

المصدر

جريدة الرياض

http://www.alriyadh.com/2011/06/03/article638170.htm


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.