كتب . عبدالله بن علي القرزعي  shutterstock_28775950

باتت ثقافة التدريب في الآونة الأخيرة منتشرة بشكل جيد بين أوساط الدوائر والمصالح والهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية والأفراد على حد سواء .

بل أن كثير من الوزارات والمسئولين فيها والمديرين والقادة ... أضحوا اليوم أكثر معرفة وثقة بأن ( التدريب أداة للتطوير والتغيير وإحداثه بما ينشدونه من أهداف ومهام....) ؛ وبات التدريب يحظى بالدعم والمساندة وتخصص له ميزانيات مالية مستقلة وبنود مخصصة بشكل أفضل مما سبق.

وبحق وعلمياً ... أثبت التدريب جدارته كواحد من أهم خيارات التطوير والإبداع وتنمية الموارد البشرية وتوفير الوقت والجهد في سعينا نحو تحقيق الأهداف المنشودة.

حيث باتت الجهات التي تدعم التدريب تجدد وتضيف لموظفيها ومنسوبيها معلومات ومهارات ضمن مهامهم المحددة والمهام الجديدة إن وجدت ؛ فقل الجهد والوقت في مقابل زيادة الإتقان للكفايات والمهارات التي تعد صلب أداء الأعمال وإنجاز المهام.

ومعلوم أن أثر التدريب مبني بدرجة أولى على نوعه ؛ حيث يوجد "التدريب العام" الذي يناسب مجالات عدة ومن ذلك البرامج الإدارية وبرامج التنمية الذاتية التي ينشدها كل من يرغب في تطوير نفسه ومنظمته ؛ وكما أن هذه البرامج عامة فإن أثرها يكون عاماً وغير واضح المعالم .

بيد أن ما يعنيني في تلك المقالة هي " البرامج التدريبية التخصصية البحتة " التي تلامس بشكل مباشر كفايات ومهارات أداء الموظفين لمهامهم ورسالة ورؤية وأهداف المنظمة ؛ وهنا بيت القصيد ... وحول كيف نحدد من يحتاجها وكيف نحدد ما تحتاجه المنظمة والوظيفة منها يتحدد أثر التدريب .

وهنا أؤكد أن ما سيعيد التدريب لنقطة البداية بعد أن قطع شوطاً لا بأس به ؛ عدة أسباب ؛ منها :

 

1. التدريب ... ترف :

مازال هناك من يعتقد أن التدريب مجرد ترف ؛ وموازنات تصرف على غير أثر بين ومؤثر ؛ يذهب الموظف ويعود ولا جديد ؟؟!!

وقد صدقوا فيما ذهبوا إليه خاصة في ظل :

· ضبابية مهام كل موظف والتوصيف الوظيفي وتداخلها وعدم تحديد كفايات الوظيفة والموظف ومهامه.

· عدم التحديد الدقيق للاحتياج التدريبي.

· ضعف اختيار محتوى تدريبي مناسب للمهام والأهداف المنشودة.

· تداخل البرامج التدريبية وعدم تخصصها ؛ واختيارها من ضمن قوائم معدة مسبقاً.

· اللجوء إلى مدربين غير مختصين ؛ وجهات تدريبية تقدم التدريب العام غير المتخصص.

ونتيجة لذلك من الطبيعي أن يعود الموظف لوظيفته دون أثر إيجابي بين .

 

2. التدريب ... تطوع :

تنشد بعض الجهات الاقتصاد في الموازنات والتكاليف المالية ؛ وتعتمد على التطوع في التدريب إعداداً وتنفيذاً !!!

وبحق تنجح في اقتصادياتها المنشودة ؛ بيد أنها لا تحقق كثير من الأهداف فالتطوع لا يضمن لك أن (تملي ما تريد ؛ لتجني ما تريد) بل أنه يفرض عليك المتوفر وإن كان مختلفاً عما تنشده ؛ وقد لا يتصل برسالة ورؤية وأهداف منظمتك.

 

3. التدريب ... يعالج جميع مشكلات المنظمة :

وهذه ثقة مفرطة وفي غير محلها ؛ (فالتدريب مختص بمشكلات تتعلق بكفايات ومهارات أداء الموظف لوظيفته وتحقيق أهداف منظمته).

ولذلك قبل ترشيح أي موظف لأي برنامج تدريبي يجب تحديد المشكلة التي يعاني منها هل هي (مشكلة إدارية ؛ مشكلة سلوكية ؛ مشكلة نفسية أو صحية ....) وكل تلك المشكلات لا علاقة للتدريب بها كما أسلفت وحلها في مجالات وجهات أخرى ؛ وما يعنينا هنا أن تكون المشكلة التي ينشد من التدريب علاجها (مشكلة تدريبية : وتعني نقص أو قصور أو تدني أداء الموظف نتيجة ضعف كفاياته أو مهاراته ؛ أو متطلبات أدائية جديدة لمهام جديدة ...) .

 

4. التدريب ... مكافأة :

يعتقد البعض أن إتاحة الفرص التدريبية التي تكلف الكثير ما هو إلا مكافأة للموظف الذي قد يكون متميزاً في أدائه ؛ وبذلك قد يحرم الموظف متدن الأداء والذي هو بحاجة فعلية للتدريب.

وللخروج من هذا المعيار غير العادل وليؤتي التدريب ثماره وتأثيره على الأداء يمكن تصنيف البرامج لتصنيفات عدة تناسب كل موظف حسب قدراته وإمكاناته وما تتطلبه الوظيفة وأهداف المنظمة منه فعلاً ؛ وبذلك يحظى الكل بفرص التدريب وفق معايير علمية لا شخصية تقديرية بحته.

 

5. التدريب ... بند ممكن استثمار ما خصص له في أمور أهم :

وهذا الاعتقاد كان سائداً إلى وقت قريب عند بعض المسئولين ؛ وفيه تعارض مع رغبة الوزارات في تحسين خدماتها وتحقيق أهدافها.

وبإيمانهم بعدم جدوى التدريب يتم تسييل بنوده إلى خدمات أخرى ؛ والحد من الفرص التدريبية المتاحة للحفاظ على بند التدريب الذي كفلته الوزارة والصرف منه في جوانب أخرى !!!

 

6. التدريب ... تنظير ولا فائدة منه :

يكون التدريب كذلك إذا لم تفرض المنظمة نوع وطبيعة التدريب التي يلبي احتياج موظفيها ؛ وغالباً يكون كذلك إذا لم تملك المنظمة حق تحديد مضمون البرنامج وما يعرض فيه من خبرات تتناسب مع ما تنشده.

ومع أن التدريب المتخصص يكلف كثيراً إلا أنه أفضل بكثير من البرامج التدريبية العامة التي أُعدت لتغطي احتياج عدة جهات على حد سواء .

وما يجعل المؤسسات والشركات الخاصة تنجح في ملامسة أثر التدريب هو دقة وعلمية تحديدها لما يلبي احتياجاتها من واقع رؤيتها ورسالتها وأهدافها ...

كما أن التدريب يجب أن يحدد نوعه وجوانبه النظرية والعملية التطبيقية.

 

7. التدريب ... يستطيع تنفيذه أي شخص :

وتلك معضلة أخرى تواجه كثير من الجهات التي تريد أن تقيم برامج تدريبية لموظفيها ؛ حيث يسود الاعتقاد بأن أي مدرب أيا كان مجاله وتخصصه يستطيع أن يقدم نوع التدريب الذي تنشده الجهة ؛ وهذا الأمر يحدث كثيراً ويقلل من عائد وأثر التدريب ؛ ويجب التفريق بين تصميم البرنامج التدريبي وتدريب من سيدرب عليه وبين مهارات من سينفذ البرنامج وقدراته.

على سبيل المثال :

رغبت إدارة تابعة لوكالة وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون المساجد إقامة (برنامجاً تدريبياً لخطباء الجوامع ) ... هنا أؤكد أن البرنامج لابد أن ينفذه خطيب متمكن ومتميز ؛ بيد أن تصميم البرنامج يجب أن يعد من قبل مدرب "مصمم" مختص ويجب أن يكون مبنياً على أهداف حددتها المنظمة الطالبة للبرنامج ؛ ولاحقاً يدرب عليه الخطيب المنفذ للبرنامج كمدرب.

أما لماذا ؟

لأن المدرب الإداري أو التربوي أو الاقتصادي .... يمكن أن يقدم تدريباً مقنعاً في مجاله!! وتدريباً مبنياً على التنظير والعموميات في مجالات أخرى ؛ وفي المثال السابق قد لا يمتلك المدرب مهارات لازمة للخطابة مطلوب نمذجتها وتطبيقها من قبله للمتدربين من الخطباء.

وقد يقول قائل : يمكن أن يطبق المهارات بعض المتدربين ؛ وهنا أقول إن تمكن المدرب نفسه من التطبيق فهو أدعى للأثر التدريبي المنشود .

وهو أمر جربناه كثيراً في التدريب التربوي فكلما كانت خبرات المدرب واسعة وقدرته على التطبيق فاعلة ؛ كلما كان أثره أفضل على أداء المتدربين لاحقاً.

ويعتبر التدريب بالمحاكاة والنمذجة من أفضل أنواع التدريب وأكثرها أثراً ؛ كما فعل رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في الحج "خذوا عني مناسككم" وكذلك الصلاة وغيرها ....

 

8. أثر التدريب ... يتعلق برغبة المتدرب في التطوير والتغيير :

وهذا اعتقاد صحيح إلى حد ما ؛ بيد أنه لا يجب أن يثنينا ذلك عن التدريب والرغبة الأكيدة في التغيير ؛ وحتى رغبة الموظف من عدمها يجب أن تكون مبررة ولأسباب مقنعة ؛ و هناك أمور كثيرة تتعلق بنجاح البرنامج التدريبي وإحداث أثر على أداء المتدربين ... ومنها :

· دور قائد أو مدير المنظمة في تهيئة موظفيه ونشر ثقافة التدريب ؛ وحفز موظفيه على التدريب وأخذ ذلك في الاعتبار عند تقويم الأداء الوظيفي.

· مدى وضوح الأدوار والمهام والكفايات والمهارات اللازمة لأداء الموظف وظيفته على أكمل وجه ؛ وتعتبر مشاركته كمصدر لتحديد احتياجه التدريبي من أهم جوانب الحفز .

· مدى ملائمة البرامج التدريبية المقترحة وتناسقها مع وظائف المنظمة وأهدافها.

· مدى خبرة المدرب في مجال التدريب الذي يدرب عليه ؛ وباعتقادي الجازم بأنه (ليس هناك مدرب يعرف كل شيء عن كل شيء) ويمكن له تقديم برامج تدريبية متنوعة المجالات ؛ كما يحدث الآن ؛ فكل مجال له مدربين مختصين.

· مدى تهيئة المكان ومناسبته لظروف المتدربين .

· مدى ملائمة التوقيت والوقت أيضاً لظروف المتدربين.

· مدى تناسق وانسياق ما يقدم في البرنامج من معارف ومهارات مع خبرات المتدربين السابقة ؛ بحيث تتصل ولا تنفصل ؛ تنمي الخبرات السابقة ويبنى عليها الخبرات الجديدة.

كل ما سبق يبدو أنه كفيل بتحسين صورة التدريب والأثر الذي ينشد منه ؛ حيث يجب ربط كل ممارساته بالعلمية وإبعادها عن الاجتهادات الشخصية والتقديرية التي كثيراً ما تفشل في تحقيق مردود ايجابي وتغيير منشود.

والله الموفق ؛؛؛


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.