كتب.عبدالله القرزعي
نسير في هذه الحياة ؛ تعترضنا أقدار الله عز وجل إن خيراً فمن الله ؛ وإن كان غير ذلك فمن أنفسنا والشيطان والمؤمن مبتلى.
قال تعالى في أقداره وما يجب علينا من رضا بها :
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد : 22]
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن : 11]




وقال عز وجل في مسببات ما يعترينا من مصائب :
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران : 165]
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء : 62]
وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص : 47]
وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى : 30]

وبعد ما نزل من الحق نواجه البعض ممن يجزم أن تلك القاعدة هو منها شاذ ؛ وينسب كل فشل له وفق معطيات مواقف وتفسيرات ومبررات يراها وحده منطقية وواقعية ....
نجامل ولا نرغب المصارحة لا مع أنفسنا ولا مع الأخرين حتى مع من نحبهم؛ وعليه :
• تتأصل الرؤى الخاطئة
• ويتعمق الألم
• يتعملق الإحباط
• وتتأصل السلبية

النجاح لدينا له أكثر من أب ومنتمي
والفشل ابن غير شرعي ولا منتمي له ؛ والبعض ينفيه عن نفسه ...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل ابن آدم خطاء ؛ وخير الخطاؤون التوابون ).

تبقى أخطاءنا كما هي مرة تلو مرة ...
وتنعشنا النجاحات فترات محدودة محدثين لها ... أم متسلقين عليها ؛أم حتى متفرجين ...

ولأنه الإنسان الذي قال عنه خالقه في سورة المعارج :
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) : أي جُبِلَ على الجزع وشدة الحرص,
إذا مسه الشر جزوعا ) : إذا أصابه المكروه والعسر فهو كثير الجزع والأسى،
وإذا مسه الخير منوعا ) : إذا أصابه الخير واليسر فهو كثير المنع والإمساك،

فمن الطبيعي ألا نندهش مما نشاهدة ؛ ومما يعتري سلوكنا أحياناً .
الغريب في الأمر ليس أؤلئك الذين يؤمنون بأنهم خطاؤون ويعملون على تقويم أنفسهم .... بيد أن طول الأمل ألهاهم...
ولكنه في بعض من الناس تأصلت لديهم (نظرية المؤامرة) حتى باتت قطعية في سائر أمور حياتهم....

ونظرية المؤامرة تعني :
إيمان قطعي بأن الفشل والمصائب إنما هي من صنع الأخرين وشرورهم ؛ وليس للشخص نفسه أي دور فيها .

ومرض نظرية المؤامرة المزمن يعني :
هو أن يقنع الشخص نفسه بأنه خال من العيوب والمثالب ؛ ومن حوله سلبيون سيؤون أشرار يسعون لإفشال مساعيه للنجاح ؛ وأن ما أصابه هو من كيدهم وتدبيرهم !!!

لاحظوا معي سمات من يعانون من مرض نظرية المؤامرة المزمن وبتدرج غريب ومخيف :

• حديثهم جدل عقيم ولجاجة.
• اعتزازهم بأنفسهم لدرجة حبهم لذاتهم في مقابل نفي محاسن الأخرين.
• نسب النجاح إن حصل جزء منه لأنفسهم.
• تحدثهم كثيراً عن أنفسهم.
• نقدهم الأخرين بشدة.
• عدم قبول النقد الموجه لهم.
• لهم نظاراتهم الخاصة ....في تفسير الأحداث والمواقف.
• يسمون أنفسهم مصلحون ... وإن لم يصلح حالهم.
• يهاجمون كل تغيير يحاول إخراجهم من بوتقتهم.
• يبنون صوراً خاصة لتفسير الأمور .
• استدلالاتهم تحكمها المواقف الفردية..... لا ما هو سائد.
• يدعون فهم الواقع .... وهم عنه منفصلون.
• يضيفون بطرحهم كل ما هو سلبي.
• لا يتفقون ولا يتعايشون ... إلا مع أنفسهم وذواتهم وما يؤمنون به.
• أقرب الناس لهم لا يملكون مفاتيح شخصياتهم ؛ فهم لا يقبلون التأثر ويسعون للتأثير دوماً.
• يعممون ولا يخصصون أحكامهم.
• تضيق بهم السبل ويتخلصون من الضغوط بقصف الأخرين من كل جانب.
• لا يختلفون فقط ... بل يعادون وينتقمون.
• لا يسلم منهم مسالم ولا معارض ولا مجامل.
• الحذر الحذر من كل شيء ... يعتبرونه ميزة لذكاءاتهم المتعددة.
• يصنفون الناس ...في حين لا يقبلون التصنيف ولا هم لأنفسهم مصنفون.
• الإحباطات لديهم متلاحقة ومتعددة .
• الصور السلبية زادهم وعتادهم.
• ناقمون على كل شيء.
• في داخلهم ألم كبير وصراع بسبب عدم قدرتهم على تحديد ما يريدون.
• حتى الثوابت من النصوص الشرعية تفسر لديهم كما يريدون ؛ وتنضح أوانيهم بما يختلج صدورهم من قلق وإحباطات.
• قراراتهم مرتجلة ومبنية على أحكامهم الخاصة.
• لا يعرفون المبادرة والتعاون ويسمونها خنوع وذلة.
• يربون فيمن حولهم صور السلبية وأن الحياة كلها شرور !!
• يبررون نجاحات الأخرين بأنهم مدعومين ولهم وساطات ؛ أو ينسبونها لأنفسهم وعلى الأقل يتسلقون عليها من أي باب.
• لا يعرفون الإنجاز والعمل ... ولا يأخذون بالأمل المشرق ... فشموسهم لا تضيء نوراً.
• كل شيء لديهم أسود ... غاضبون دوماً من كل ما لا يعجبهم ولذلك لا يرضون أبدا.

إن ما دعاني إلى كتابة ما سبق هو اشفاقي الكبير على أمة تريد أن تنهض وتعيد أمجادها ؛ ويتفشى فيها وينتشر مثل تلك النماذج المؤسفة والمخجلة.
إنهم مرضى حقيقيون وإن بدا لنا أنهم طبيعيون ؛ وفيهم ومنهم كثر يأخذ معدل المرض المعادلة التالية :
• قلق ... فقلق حاد
• إحباط ....فسلبية مفرطة
• اكتئاب ...فاكتئاب حاد
• انفصام الشخصية ... وازدواجها أحياناً
• ذهان بدرجاته المتعددة ... ولا حول ولا قوة إلا بالله....

السؤال الأهم ... كيف للأسوياء أن يتعاملوا معهم ؟؟؟اقترح سلسلة الإجراءات العلاجية التالية :• اعتبارهم نتاج تربية ومواقف ... فهم مجني عليهم ويجب مساعدتهم لإعادتهم لدائرة الحياة .... وهناك خطورة إذا ما اعتبرناهم (جناة يجب أن يعاقبوا وينبذوا ).
• السماح لهم بالبوح بهمومهم ؛ والإنصات بعناية ... لمنحهم فرص التنفيس.
• عدم مسايرتهم في الجدل والسلبية وإقرار ما يقولون والاستسلام له ... ولا يجدي هنا مواجهتهم بحقيقتهم التي تؤلمهم أكثر مما تعالج الخلل .... وليكون حواراً هادفاً يجب أخذهم بالنسبية ومعادلة ( الأسود موجود كما أن الأبيض موجود؛ وبينهما رصاصي متفاوت ) ؟؟!! لزعزعة ثوابتهم وقطعية قراراتهم وقناعاتهم...
• في مقابل صورهم السلبية ؛ يجب طرح صور ايجابية بجدية وعدم مصادرة أرائهم ورفضها جملة وتفصيلاً ... والأخطر هنا هو الاستهزاء بما يقولون أو وصفه بالخرافات والتخيلات ففي ذلك تنافر واختلاف لا ائتلاف ينشد...
• ربطهم بالنصوص الشرعية والاحتكام لتفسير محايد من علماء الأمة المعتبرين والمؤثرين.
• استغلال لحظات صفاء أنفسهم وإن كانت قليلة ... فإذا كنت تنشد نجاح في تعديل سلوكهم والتأثير فيه يجب تحري تلك اللحظات ...
• عرض الحقائق والمسلمات بأساليب مختلفة غير ما اعتادوا التفكير فيها.
• أنصت أكثر من التحدث لهم ؛ لأن الله خلق لك أذنين ولساناً واحداً.
• لا تكثر الاعتراض على أحكامهم وتعميماتهم القطعية ..... ويكفيك أن تطلب منهم في كل مرة نسب لإثبات ما يقولون ؛ ثم السؤال عن مصادر المعلومات.
• إن استطعت أن تزعزع معتقداتهم وتؤثر في اتجاهاتهم وتخلخل قيمهم .....وصلت لتعديل سلوكهم وتصرفاتهم وغرس قيم جديدة.
• لاحظ ... أن السيطرة المتعقلة يجب أن تخاطب الفؤاد والقلب (العلاقة أولاً) قبل العقل الذي يتحكم بالسلوك...
• أنت وأنا .......... قاتله لجهود تحسين سلوكهم ؛ ابتعد عنها بالتورية التي أثر فيها عليه الصلاة والسلام على كل من حوله (ما بال أقوام )... وبدل أنت وأنا قل : هناك من ؛ البعض يعتقد .....
• غص في النوايا الحسنة ولا تفترض السلب ؛ ومن الظلام الدامس خذ جذوة وقبس من نور من سلوكهم -وإن قل- وما يقولون ويعملون به ...
• لا تتذمر وتمل فتكون واحداً منهم ... ولا تنعتهم بالعناد والجهل ... فهم لا يعون أنهم مرضى ومجني عليهم ...
• كن قدوة ولا تتحدث بما تفترض بل بما تفعل .

احتسب الأجر من الله فيهم .... وإن نجحت في اخراجهم من بوتقة (نظرية المؤامرة) قبل الوصول لأن يزمنهم المرض ... فقد حققت نتيجة ونتاج أسأل الله أن يحتسبه لك من خير أعمالك الصالحة.

تحياتي للجميع ...


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.